السينمائي الإيراني العالمي “جعفر بناهي” رغم المنع والحرب وإغراءات اللّجوء: “أنــا أقـف مـع بــلادي وعــــدت لأمــــوت فـــيـــهــــا”
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
في زمن تتكاثر فيه الأصوات الحادّة التي تختزل العلاقة بين الفنان والسلطة في ثنائية المواجهة أو الاصطفاف، يقدّم المخرج الإيراني جعفر بناهي درسًا مختلفًا، أكثر تعقيدًا وعمقًا، في معنى أن تكون سينمائيًا داخل نظام سياسي مغلق نسبيًا، دون أن تتحول إلى أداة في يد خصومه أو إلى بوق من أبواقه. إنّها معادلة دقيقة، يكاد بناهي يكون أحد أبرز من نجحوا في تحقيقها: نقدٌ من الداخل، وإصلاحٌ دون قطيعة، ووفاءٌ لبلدٍ لا يُختزل في نظامه
إنّ عودة بناهي إلى إيران، رغم التهديد بالسجن، ليست مجرد حدث عابر في سيرة مخرج، بل هي موقف وجودي يختصر فلسفة كاملة في النظر إلى الفن والوطن. حين يصرّح بأنه زيقف مع بلاده وعاد ليموت فيهاس، فهو لا يقدّم خطابًا عاطفيًا بقدر ما يؤسس لوعي سياسي وجمالي يرى في الانتماء شرطًا للنقد، لا نقيضًا له. هنا تكمن فرادة تجربته، فهو لا يهاجم إيران من الخارج، ولا يمنح أعماله إمكانية التوظيف في خطاب معادٍ لبلده، بل يصرّ على مساءلة الواقع الإيراني من داخله، بلغته، وبأدواته السينمائية الخاصة.
منذ بداياته، اشتغل بناهي على ما يمكن تسميته زسينما الهامشس، حيث الشخصيات العادية، المهمّشة، والمقيّدة بقوانين غير مرئية، تتحول إلى مرآة تعكس تعقيدات المجتمع الإيراني. ففي فيلمه تاكسي طهران، الحائز على الدب الذهبي في مهرجان برلين، يختار فضاءً بسيطًا: سيارة أجرة تجوب شوارع طهران. غير أن هذا الفضاء الضيّق يتحول إلى مختبر اجتماعي، تتقاطع فيه الأصوات والآراء والتناقضات، في صورة دقيقة لمجتمع يتحاور مع نفسه تحت سقف الرقابة. الكاميرا هنا ليست أداة رصد فحسب، بل هي فعل مقاومة هادئ، يلتقط ما لا يُقال، ويمنح الكلام لمن لا صوت لهم.
أما في فيلمه الأخير “حادث بسيط”، الذي صُوّر سرًا داخل إيران، فتتواصل هذه الروح، حيث يتحوّل الحدث البسيط إلى مدخل لقراءة بنية السلطة والعلاقات الاجتماعية المتشابكة. إنّها سينما تقوم على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى بناء المعنى عبر التفاصيل الصغيرة، لا عبر الشعارات المباشرة. ولهذا تحديدًا تبدو أعمال “بناهي” عصيّة على التوظيف السياسي الساذج: فهي لا تقدّم مادة جاهزة للإدانة أو التمجيد، بل تفتح أفقًا للتفكير
ولا يمكن فهم تجربة بناهي بمعزل عن السياق الأوسع للسينما الإيرانية، التي شكّلت منذ عقود أحد أبرز المختبرات الجمالية في السينما العالمية. فقد جاء امتدادًا طبيعيًا لروّاد كبار مثل عباس كيارستمي ومحسن مخملباف، اللذين أسّسا لسينما تقوم على البساطة الشكلية والعمق الفلسفي. من كيارستمي ورث “بناهي” تلك القدرة على تحويل اليومي إلى كوني، وعلى الاشتغال على الحدود بين الواقع والخيال، حيث تبدو الحياة نفسها وكأنها فيلم مفتوح. ومن مخملباف استلهم الحس النقدي والجرأة في مساءلة البنى الاجتماعية والسياسية، دون الوقوع في المباشرة
غير أنّ بناهي يذهب أبعد من أسلافه في تحويل القيود نفسها إلى مادة جمالية. فبعد منعه من السفر والتصوير، لم يتوقف عن صناعة الأفلام، بل أعاد ابتكار أدواته، مصورًا داخل بيته، أو في فضاءات مغلقة، أو بكاميرات بسيطة. هكذا تحوّلت الرقابة إلى عنصر داخل النص السينمائي ذاته، وأصبح المنع جزءًا من اللغة، لا عائقًا أمامها. إنّها سينما تُصنع تحت الضغط، لكنها لا تفقد صفاءها، بل تزداد كثافة وإيحاء
لهذه الأسباب كلّها، تكتسب مواقفه السياسية معناها الحقيقي. فبناهي، رغم أحكام السجن والمنع، لم يختر المنفى، ولم يسع إلى بناء صورة زالمخرج الضحيةس في الخارج، بل ظلّ وفيًا لفكرة أن الإصلاح يبدأ من الداخل. هذا الخيار، الذي قد يبدو للبعض مخاطرة، هو في الحقيقة جوهر مشروعه الفني: أن تكون السينما فعل حضور، لا هروب؛ وأن يكون النقد تعبيرًا عن الانتماء، لا عن القطيعة.
إنّ التمييز الذي يحرص عليه بناهي بين الأمة الإيرانية والنظام السياسي ليس مجرد موقف أخلاقي، بل هو استراتيجية جمالية أيضًا. فهو يدرك أن اختزال بلدٍ كامل في نظامه يفتح الباب أمام قراءات اختزالية، قد تُستخدم لتبرير مواقف خارجية لا علاقة لها بالفن. لذلك، تبدو أفلامه وكأنها تدافع عن تعقيد إيران، عن تعدد أصواتها، وعن إنسانيتها التي تتجاوز كلّ تصنيف.
ولهذه الاعتبارات جميعها لا يمكن قراءة تجربة جعفر بناهي إلا بوصفها درسًا مزدوجًا: درسًا في السينما، حيث تتحول أبسط الأدوات إلى لغة عميقة، ودرسًا في الواقع، حيث يصبح الانتماء شرطًا للنقد، لا عائقًا أمامه. إنّه نموذج لفنان يرفض أن يُختزل في موقع سياسي جاهز، ويصرّ على أن يبقى، قبل كل شيء، شاهدًا على زمنه، وصوتًا من داخل بلده، لا من خارجه.
ندوة علمية في «قمرت» بمناسبة مأوية السينمائي الرّاحل يوسف شاهين»: مــائويــة مــخــرج أزعـــج الــصــمــت وراهـــن عــلــى الــحريـــة
في سياق ثقافي يتّسم بتسارع التحوّلات وتبدّل المرجعيات، تحتضن المدرسة ا…

