2026-05-26

زيارات‭ ‬ميدانية‭ ‬إلى‭ ‬نقاط‭ ‬بيع‭ ‬الأضاحي‭ ‬ومحلات‭ ‬القصابين‭:‬ تحرّك‭ ‬جهوي‭ ‬ومحلي‭ ‬لكبح‭ ‬جنون‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

مع‭ ‬موجة‭ ‬الغلاء‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي‭ ‬واللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬شهدت‭ ‬عدة‭ ‬ولايات‭ ‬تحركات‭ ‬ميدانية‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الولاة‭ ‬والمعتمدين‭ ‬نحو‭ ‬فضاءات‭ ‬بيع‭ ‬الأضاحي‭  ‬نهاية‭ ‬الاسبوع‭ ‬المنقضي‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬محلات‭ ‬القصابين‭.‬وقد‭ ‬رافق‭ ‬المسؤولين‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الزيارات‭ ‬ممثلون‭ ‬عن‭ ‬الفرق‭ ‬الجهوية‭ ‬للشرطة‭ ‬البلدية،‭ ‬والمديرون‭ ‬الجهويون‭ ‬للتجارة،‭ ‬والمندوبون‭ ‬الجهويون‭ ‬للتنمية‭ ‬الفلاحية،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬عكست‭ ‬رغبة‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬إظهار‭ ‬حضور‭ ‬الدولة‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق،‭ ‬بعد‭ ‬أسابيع‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الانفلات‭ ‬السعري‭ ‬التي‭ ‬أثقلت‭ ‬كاهل‭ ‬المواطن‭ ‬وأربكت‭ ‬حتى‭ ‬المربين‭ ‬الصغار‭.‬

وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬آلاف‭ ‬التونسيين‭ ‬ضغطا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬خانقا،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬الأضاحي‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬تجاوزت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬لغالبية‭ ‬العائلات‭. ‬كما‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬لحوم‭ ‬الضأن‭ ‬لدى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القصابين‭ ‬بشكل‭ ‬متسارع‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬إلى‭ ‬80‭ ‬دينارا‭  ‬وسط‭ ‬شكاوى‭ ‬متكررة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬بشأن‭ ‬المضاربة‭ ‬والاحتكار‭ ‬وغياب‭ ‬الرقابة‭ ‬الفعلية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭.‬

وخلال‭ ‬الزيارات‭ ‬الميدانية،‭ ‬تم‭ ‬توجيه‭ ‬دعوات‭ ‬مباشرة‭ ‬للتجار‭ ‬والقصابين‭ ‬والمربين‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط‭ ‬الطوعي‭ ‬في‭ ‬تخفيض‭ ‬الأسعار‭ ‬وعدم‭ ‬استغلال‭ ‬الطلب‭ ‬المرتفع‭ ‬بمناسبة‭ ‬العيد‭. ‬كما‭ ‬تم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬تكثيف‭ ‬عمليات‭ ‬المراقبة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المشتركة‭ ‬للتصدي‭ ‬لكل‭ ‬أشكال‭ ‬الاحتكار‭ ‬والترفيع‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬مع‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬احترام‭ ‬التراتيب‭ ‬والقوانين‭ ‬المنظمة‭ ‬للأسواق‭.‬

ويرى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬للشأن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬أن‭ ‬لهذه‭ ‬الزيارات‭ ‬أثرا‭ ‬نفسيا‭ ‬وتنظيميا‭ ‬مهما،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬حضور‭ ‬المسؤولين‭ ‬ميدانيا‭ ‬داخل‭ ‬نقاط‭ ‬البيع‭ ‬ومحلات‭ ‬القصابين‭ ‬بعث‭ ‬رسائل‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تتابع‭ ‬الوضع‭ ‬ولن‭ ‬تترك‭ ‬الأسواق‭ ‬دون‭ ‬رقابة‭. ‬كما‭ ‬ساهمت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الحذر‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬المضاربين‭ ‬والتجار‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يرفعون‭ ‬الأسعار‭ ‬بشكل‭ ‬عشوائي‭ ‬مستفيدين‭ ‬من‭ ‬لهفة‭ ‬المواطنين‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الأضحية‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يخفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬والمراقبين‭ ‬انتقادهم‭ ‬لتأخر‭ ‬هذه‭ ‬التحركات،‭ ‬معتبرين‭ ‬أن‭ ‬موجة‭ ‬الغلاء‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع،‭ ‬بل‭ ‬منذ‭ ‬أشهر،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التدخل‭ ‬مبكرا‭ ‬لضبط‭ ‬السوق‭ ‬ومراقبة‭ ‬مسالك‭ ‬التوزيع‭ ‬وكلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬قبل‭ ‬بلوغ‭ ‬الأسعار‭ ‬مستويات‭ ‬صادمة‭. ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬اتخذت‭ ‬قرار‭ ‬المقاطعة‭ ‬أو‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬شراء‭ ‬الأضحية‭ ‬قبل‭ ‬نزول‭ ‬فرق‭ ‬الرقابة‭ ‬إلى‭ ‬الميدان،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدت‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬انخفاض‭ ‬الأسعار‭.‬

كما‭ ‬يطرح‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬تساؤلات‭ ‬جدية‭ ‬حول‭ ‬نجاعة‭ ‬السياسات‭ ‬الرقابية‭ ‬الموسمية‭ ‬التي‭ ‬تتحرك‭ ‬غالبا‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬أزمة‭ ‬الأسعار‭ ‬تتطلب‭ ‬عملا‭ ‬استباقيا‭ ‬وهيكليا‭ ‬يمتد‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬السنة‭ ‬ويفترض‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬وزارات‭ ‬الفلاحة‭ ‬والموارد‭ ‬المائية‭ ‬والصيد‭ ‬البحري‭ ‬والتجارة،‭ ‬ويشمل‭ ‬دعم‭ ‬منظومة‭ ‬تربية‭ ‬الماشية،‭ ‬وتوفير‭ ‬الأعلاف‭ ‬بأسعار‭ ‬معقولة،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الوسطاء‭ ‬والمضاربين‭ ‬الذين‭ ‬يساهمون‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬الأسعار‭ ‬بين‭ ‬المربي‭ ‬والمستهلك‭.‬

ويؤكد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المهنيين‭ ‬أن‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬يعود‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬مربو‭ ‬الأغنام‭ ‬أنفسهم،‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التربية‭ ‬والأعلاف‭ ‬والنقل‭ ‬والعلاج‭ ‬البيطري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬بعضهم‭ ‬يبيع‭ ‬بخسارة‭ ‬أو‭ ‬ينسحب‭ ‬تدريجيا‭ ‬من‭ ‬القطاع‭.‬

‭ ‬وبين‭ ‬المربي‭ ‬الذي‭ ‬يشتكي‭ ‬من‭ ‬غلاء‭ ‬الكلفة،‭ ‬والمواطن‭ ‬الذي‭ ‬يئن‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الأسعار،‭ ‬تجد‭ ‬السوق‭ ‬نفسها‭  ‬مفتوحة‭ ‬أمام‭ ‬المضاربين‭ ‬والسماسرة‭ ‬الذين‭ ‬يستثمرون‭ ‬في‭ ‬المواسم‭ ‬والأزمات‭.‬

ورغم‭ ‬الانتقادات،‭ ‬فإن‭ ‬التحركات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تبقى‭ ‬مؤشرا‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬السلطات‭ ‬لحجم‭ ‬الانفلات‭ ‬الذي‭ ‬مسّ‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الزيارات‭ ‬التفقدية‭ ‬أو‭ ‬الحملات‭ ‬الظرفية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬سياسة‭ ‬فلاحية‭ ‬وتجارية‭ ‬أكثر‭ ‬عدلا‭ ‬واستقرارا،‭ ‬تحمي‭ ‬المنتج‭ ‬والمستهلك‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه،‭ ‬وتمنع‭ ‬تحول‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬إلى‭ ‬مواسم‭ ‬قلق‭ ‬واستنزاف‭ ‬للعائلات‭ ‬التونسية‭. ‬

‫شاهد أيضًا‬

االيد‭ ‬العاملة‭ ‬الموسميةب‭ ‬في‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭:‬ ‭ ‬مهن‭ ‬مؤقتة‭ ‬تنتعش‭ ‬أيّاما‭ ‬وتختفي‭ ‬بقية‭ ‬السنة

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الجدل‭ ‬السنوي‭ ‬حول‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي‭ ‬…