بعد تخريب الحشرة القرمزية للتّين الشوكي:
عودة الأمل ومبادرات بعض الفلاحين تستحق الدعم
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
لم يكن التين الشوكي مجرد غراسة هامشية في تونس، بل شكّل على امتداد عقود إحدى أهم الثروات الفلاحية والبيئية والاجتماعية في المناطق شبه الجافة، قبل أن تأتي الحشرة القرمزية لتقلب المشهد رأساً على عقب، مخلفة آلاف الهكتارات من الغراسات المتضررة، وخسائر فادحة للفلاحين، وتراجعاً في إنتاج إحدى أكثر الزراعات قدرة على التأقلم مع التغيرات المناخية.
لكن، وفي مقابل هذا الواقع الصعب، بدأت تبرز خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات تبعث على التفاؤل، عنوانها إصرار عدد من الفلاحين على إعادة إحياء هذه الثروة الوطنية، سواء عبر غراسة صنف التين الأملس أو التين بلا شوك، أو اعتماد تقنيات حديثة للمكافحة البيولوجية، أو التعامل مع التين الشوكي باعتباره زراعة اقتصادية تستحق الاستثمار وليس مجرد سياج طبيعي يفصل بين الحقول.
وتبرز هذه المبادرات بوضوح في ولايات القيروان وسيدي بوزيد والقصرين والمهدية، حيث اختار عدد من الفلاحين عدم الاستسلام، فشرعوا في إعادة غراسة المساحات المتضررة، مع توفير الري التكميلي في بعض الضيعات، وهو ما ساهم في تحسين نسبة نجاح الغراسات الجديدة ورفع مردوديتها، في تجربة تؤكد أن التين الشوكي يمكن أن يتحول إلى قطاع فلاحي واعد إذا ما توفرت له المرافقة العلمية والتقنية.
وتكتسي هذه المبادرات أهمية خاصة لأنها تتزامن مع نجاح تجارب المكافحة البيولوجية للحشرة القرمزية، من خلال إطلاق حشرة الدعسوقة المفترسة التي تتغذى على الآفة، وهي تجربة أشرفت عليها وزارة الفلاحة بالتعاون مع خبراء ومنظمات دولية، وحققت نتائج أولية مشجعة، خاصة في المناطق المنتجة الكبرى بالقصرين وسيدي بوزيد. كما تم اعتماد عمليات اقتلاع النباتات المصابة والحد من انتشار البؤر الجديدة، في إطار برنامج وطني للمكافحة المندمجة.
وتؤكد التجارب الدولية، وخاصة في المكسيك والمغرب، أن القضاء على الحشرة القرمزية لا يكون بالمبيدات وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تشمل المكافحة البيولوجية، وإنتاج أصناف أكثر مقاومة، والمتابعة الميدانية المستمرة، وهي الدروس التي يمكن لتونس الاستفادة منها لتسريع استعادة هذا القطاع الحيوي.
ولا تقتصر أهمية التين الشوكي على إنتاج الثمار فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وبيئية عديدة. فهو من أكثر النباتات قدرة على مقاومة الجفاف، ويساهم في مقاومة التصحر، والحد من انجراف التربة، كما يمثل مورداً مهماً لتربية الماشية في سنوات الجفاف، حيث تستعمل ألواحه كعلف بعد معالجتها، فضلاً عن إمكانية تثمين ثماره وبذوره في الصناعات الغذائية والتجميلية، إذ يستخرج من بذوره زيت يعد من أغلى الزيوت النباتية في الأسواق العالمية.
وتشير العديد من الدراسات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة إلى أن التين الشوكي يعد من الزراعات الاستراتيجية القادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، بفضل استهلاكه المحدود للمياه وقدرته على الإنتاج في الأراضي الفقيرة، وهو ما يجعله خياراً مناسباً لمستقبل الفلاحة التونسية في ظل تواتر سنوات الجفاف.
ورغم الخسائر الكبيرة التي خلفتها الحشرة القرمزية، فإن بعض المناطق تمكنت من المحافظة على جزء مهم من غراساتها بفضل التدخل المبكر، على غرار منطقة زلفان بالقصرين التي ما تزال تمثل أحد أهم أحواض إنتاج التين الشوكي في البلاد، مع تسجيل نتائج إيجابية في مقاومة الآفة داخل عدد من الضيعات.
إن ما يقوم به اليوم عدد من الفلاحين ينبغي ألا يبقى مجرد مبادرات فردية معزولة، بل يجب أن يتحول إلى برنامج وطني واسع النطاق، تتبناه المندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية، عبر توفير الشتلات السليمة، وتأطير الفلاحين، ومواكبة الغراسات الجديدة، وتشجيع اعتماد الري التكميلي في السنوات الأولى، إلى جانب دعم البحث العلمي لإنتاج أصناف مقاومة للحشرة القرمزية.
كما تبدو الحاجة ملحة إلى إرساء منظومة اقتصادية متكاملة حول التين الشوكي، تشمل وحدات تحويل وتثمين للثمار والبذور، وتشجيع الصناعات المرتبطة به، بما يخلق فرص عمل جديدة، ويمنح الفلاح قيمة مضافة أكبر من مجرد بيع الثمار خلال موسم قصير.
لقد أثبتت الأزمة أن خسارة التين الشوكي لم تكن خسارة محصول فلاحي فقط، بل خسارة منظومة بيئية واقتصادية كاملة. واليوم، تثبت المبادرات التي يقودها فلاحون في القيروان وسيدي بوزيد والقصرين والمهدية أن استعادة هذه الثروة ممكنة، وأن الإرادة موجودة في الميدان. وما ينقص هو أن تجد هذه الإرادة دعماً مؤسساتياً أقوى، حتى يستعيد االهنديب مكانته كأحد رموز الفلاحة التونسية، وحتى يكون رافعة للتنمية في المناطق الداخلية، وخط دفاع طبيعي في مواجهة الجفاف والتغيرات المناخية.
