2026-07-06

مشروع‭ ‬قانون‭ ‬لتسوية‭ ‬وضعيتها‭ ‬المعقدة‭:‬

الآبار‭ ‬العميقة‭ ‬غير‭ ‬المرخصة‭..‬وبوادر‭ ‬للحلول

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

يمثل‭ ‬ملف‭ ‬الآبار‭ ‬الفلاحية‭ ‬العميقة‭ ‬غير‭ ‬المرخصة‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الملفات‭ ‬تعقيدًا‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي‭ ‬التونسي،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ارتباطه‭ ‬المباشر‭ ‬بالإنتاج‭ ‬الفلاحي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبحماية‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يبرز‭ ‬مقترح‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬عدد‭ ‬18‭ ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬المتعلق‭ ‬بتسوية‭ ‬وضعية‭ ‬الآبار‭ ‬الفلاحية‭ ‬العميقة‭ ‬غير‭ ‬المرخصة‭ ‬باعتباره‭ ‬محاولة‭ ‬لإيجاد‭ ‬مخرج‭ ‬قانوني‭ ‬وتنظيمي‭ ‬لوضعية‭ ‬استثنائية‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬لسنوات،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬استكمال‭ ‬مساره‭ ‬التشريعي‭ ‬ودخوله‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭.‬

ويهدف‭ ‬المشروع،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬المصادقة‭ ‬عليه‭ ‬وتطبيقه،‭ ‬إلى‭ ‬تمكين‭ ‬أصحاب‭ ‬الآبار‭ ‬العميقة‭ ‬غير‭ ‬المرخصة‭ ‬من‭ ‬تسوية‭ ‬وضعياتهم‭ ‬القانونية‭ ‬وفق‭ ‬ضوابط‭ ‬وإجراءات‭ ‬محددة،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬لهم‭ ‬بالاندماج‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬القانونية‭ ‬المنظمة‭ ‬لاستغلال‭ ‬المياه‭ ‬الجوفية‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الامتيازات‭ ‬والإجراءات‭ ‬التي‭ ‬يتيحها‭ ‬القانون‭.‬

وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوفرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬التسوية‭ ‬ستنطلق‭ ‬عبر‭ ‬التثبت‭ ‬من‭ ‬وثائق‭ ‬الملكية‭ ‬والمعطيات‭ ‬الفنية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بكل‭ ‬بئر،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتولى‭ ‬وزارة‭ ‬الفلاحة‭ ‬والموارد‭ ‬المائية‭ ‬والصيد‭ ‬البحري‭ ‬لاحقًا‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الشروط‭ ‬والإجراءات‭ ‬العملية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬الآجال‭ ‬الزمنية‭ ‬التي‭ ‬يتعين‭ ‬خلالها‭ ‬تقديم‭ ‬مطالب‭ ‬التسوية‭.‬

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬واقع‭ ‬يعرف‭ ‬انتشار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الآبار‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬حفرها‭ ‬خارج‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية،‭ ‬نتيجة‭ ‬تعقيدات‭ ‬إدارية‭ ‬أو‭ ‬لتلبية‭ ‬حاجيات‭ ‬الإنتاج‭ ‬الفلاحي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬خلق‭ ‬وضعية‭ ‬قانونية‭ ‬صعبة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الفلاحين‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬يستغلون‭ ‬آبارًا‭ ‬دون‭ ‬تراخيص‭ ‬رسمية،‭ ‬رغم‭ ‬اعتمادهم‭ ‬عليها‭ ‬كمصدر‭ ‬أساسي‭ ‬لري‭ ‬المحاصيل‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬نشاطهم‭.‬

ويرى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬للشأن‭ ‬الفلاحي‭ ‬أن‭ ‬تسوية‭ ‬هذه‭ ‬الوضعيات‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬الفلاحين‭ ‬استقرارًا‭ ‬قانونيًا‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬ظروف‭ ‬عملهم،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تفتح‭ ‬أمامهم‭ ‬المجال‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬البرامج‭ ‬والمرافقة‭ ‬الفنية‭ ‬والإدارية‭ ‬التي‭ ‬تشترط‭ ‬غالبًا‭ ‬سلامة‭ ‬الوضعية‭ ‬القانونية‭ ‬للضيعات‭ ‬الفلاحية‭ ‬ومصادر‭ ‬المياه‭ ‬المستغلة‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يطرح‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬تحديًا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الثروة‭ ‬المائية‭ ‬الوطنية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬منسوب‭ ‬المياه‭ ‬الجوفية‭ ‬وتواتر‭ ‬سنوات‭ ‬الجفاف‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬تونس‭. ‬لذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬عملية‭ ‬التسوية‭ ‬مطالبة‭ ‬بتحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬معالجة‭ ‬الوضعيات‭ ‬القائمة‭ ‬وعدم‭ ‬تشجيع‭ ‬أي‭ ‬تجاوزات‭ ‬مستقبلية‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬المخزون‭ ‬المائي‭.‬

كما‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬ترافق‭ ‬عملية‭ ‬التسوية‭ ‬إجراءات‭ ‬رقابية‭ ‬وفنية‭ ‬تضمن‭ ‬احترام‭ ‬شروط‭ ‬الاستغلال‭ ‬الرشيد‭ ‬للمياه‭ ‬الجوفية،‭ ‬بما‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬استدامة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬ويمنع‭ ‬الاستنزاف‭ ‬المفرط‭ ‬للموائد‭ ‬المائية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬أصلًا‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭.‬

ويرى‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لن‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬الآبار‭ ‬التي‭ ‬سيتم‭ ‬تسوية‭ ‬وضعيتها،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬إرساء‭ ‬منظومة‭ ‬أكثر‭ ‬شفافية‭ ‬ومرونة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬منح‭ ‬التراخيص‭ ‬ومراقبة‭ ‬استغلال‭ ‬المياه،‭ ‬بما‭ ‬يقلص‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الحلول‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬مستقبلاً‭.‬

ومن‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬تتابع‭ ‬الأوساط‭ ‬الفلاحية‭ ‬باهتمام‭ ‬كبير‭ ‬مختلف‭ ‬مراحل‭ ‬مناقشة‭ ‬المشروع،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬نتائجه‭ ‬ستكون‭ ‬ذات‭ ‬انعكاسات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬آلاف‭ ‬الفلاحين‭ ‬الذين‭ ‬ينتظرون‭ ‬فرصة‭ ‬لتسوية‭ ‬وضعياتهم‭ ‬القانونية،‭ ‬ومواصلة‭ ‬نشاطهم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬واضح‭ ‬ومستقر‭.‬

ويمثل‭ ‬مشروع‭ ‬القانون‭ ‬عدد‭ ‬18‭ ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬خطوة‭ ‬تشريعية‭ ‬مهمة‭ ‬لمعالجة‭ ‬ملف‭ ‬ظل‭ ‬مطروحًا‭ ‬لسنوات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نجاحه‭ ‬يتطلب‭ ‬وضوح‭ ‬شروطه،‭ ‬ونجاعة‭ ‬آليات‭ ‬الرقابة‭ ‬والمتابعة،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬معادلة‭ ‬دقيقة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬الفلاح،‭ ‬وتنظيم‭ ‬استغلال‭ ‬المياه‭ ‬الجوفية،‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬الثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬للأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬في‭ ‬تونس‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بعد‭ ‬تخريب‭ ‬الحشرة‭ ‬القرمزية‭ ‬للتّين‭ ‬الشوكي‭:‬ عودة‭ ‬الأمل‭ ‬ومبادرات‭ ‬بعض‭ ‬الفلا…