مشروع قانون لتسوية وضعيتها المعقدة:
الآبار العميقة غير المرخصة..وبوادر للحلول
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
يمثل ملف الآبار الفلاحية العميقة غير المرخصة أحد أكثر الملفات تعقيدًا في القطاع الفلاحي التونسي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالإنتاج الفلاحي من جهة، وبحماية الموارد المائية من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، يبرز مقترح مشروع القانون عدد 18 لسنة 2026 المتعلق بتسوية وضعية الآبار الفلاحية العميقة غير المرخصة باعتباره محاولة لإيجاد مخرج قانوني وتنظيمي لوضعية استثنائية ظلت قائمة لسنوات، في انتظار استكمال مساره التشريعي ودخوله حيّز التنفيذ.
ويهدف المشروع، في حال المصادقة عليه وتطبيقه، إلى تمكين أصحاب الآبار العميقة غير المرخصة من تسوية وضعياتهم القانونية وفق ضوابط وإجراءات محددة، بما يسمح لهم بالاندماج في المنظومة القانونية المنظمة لاستغلال المياه الجوفية والاستفادة من الامتيازات والإجراءات التي يتيحها القانون.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن عملية التسوية ستنطلق عبر التثبت من وثائق الملكية والمعطيات الفنية المتعلقة بكل بئر، على أن تتولى وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري لاحقًا الإعلان عن بقية الشروط والإجراءات العملية، فضلاً عن تحديد الآجال الزمنية التي يتعين خلالها تقديم مطالب التسوية.
ويأتي هذا التوجه في ظل واقع يعرف انتشار عدد من الآبار التي تم حفرها خارج الأطر القانونية، نتيجة تعقيدات إدارية أو لتلبية حاجيات الإنتاج الفلاحي، وهو ما خلق وضعية قانونية صعبة بالنسبة إلى عدد كبير من الفلاحين الذين وجدوا أنفسهم يستغلون آبارًا دون تراخيص رسمية، رغم اعتمادهم عليها كمصدر أساسي لري المحاصيل وضمان استمرارية نشاطهم.
ويرى عدد من المتابعين للشأن الفلاحي أن تسوية هذه الوضعيات من شأنها أن تمنح الفلاحين استقرارًا قانونيًا يساهم في تحسين ظروف عملهم، كما قد تفتح أمامهم المجال للاستفادة من مختلف البرامج والمرافقة الفنية والإدارية التي تشترط غالبًا سلامة الوضعية القانونية للضيعات الفلاحية ومصادر المياه المستغلة.
ومن جهة أخرى، يطرح هذا المشروع تحديًا لا يقل أهمية، يتمثل في ضرورة المحافظة على الثروة المائية الوطنية، خاصة في ظل تراجع منسوب المياه الجوفية وتواتر سنوات الجفاف التي تشهدها تونس. لذلك، تبدو عملية التسوية مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين معالجة الوضعيات القائمة وعدم تشجيع أي تجاوزات مستقبلية قد تؤثر سلبًا على المخزون المائي.
كما ينتظر أن ترافق عملية التسوية إجراءات رقابية وفنية تضمن احترام شروط الاستغلال الرشيد للمياه الجوفية، بما يحافظ على استدامة الموارد الطبيعية ويمنع الاستنزاف المفرط للموائد المائية، خصوصًا في المناطق التي تعاني أصلًا من ضغط كبير على الموارد المائية.
ويرى مختصون أن نجاح هذا المشروع لن يقاس فقط بعدد الآبار التي سيتم تسوية وضعيتها، وإنما أيضًا بقدرته على إرساء منظومة أكثر شفافية ومرونة في مجال منح التراخيص ومراقبة استغلال المياه، بما يقلص من اللجوء إلى الحلول غير القانونية مستقبلاً.
ومن المنتظر أن تتابع الأوساط الفلاحية باهتمام كبير مختلف مراحل مناقشة المشروع، باعتبار أن نتائجه ستكون ذات انعكاسات مباشرة على آلاف الفلاحين الذين ينتظرون فرصة لتسوية وضعياتهم القانونية، ومواصلة نشاطهم في إطار واضح ومستقر.
ويمثل مشروع القانون عدد 18 لسنة 2026 خطوة تشريعية مهمة لمعالجة ملف ظل مطروحًا لسنوات، غير أن نجاحه يتطلب وضوح شروطه، ونجاعة آليات الرقابة والمتابعة، بما يحقق معادلة دقيقة تجمع بين دعم الفلاح، وتنظيم استغلال المياه الجوفية، والمحافظة على إحدى أهم الثروات الطبيعية التي تمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي والتنمية المستدامة في تونس.
