بين التكنولوجيا والإدارة العمومية: ثقافة الورق تسيطر على المعاملات اليومية
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
مع دخول عدد من الخدمات العمومية في تونس مرحلة جديدة من الرقمنة، وفي ظل اعتماد الهوية الرقمية على الجوال في عديد الإجراءات الإدارية، تبدو البلاد أمام منعطف مهم لا يتعلق بالتكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما بمدى استعداد المواطن والإدارة معًا لتغيير أنماط التعامل التقليدية التي ترسخت لعقود.
فالتحول الرقمي لا يقاس بعدد المنصات الإلكترونية التي يتم إطلاقها أو الخدمات التي تصبح متاحة عن بعد، بل يقاس أساسًا بقدرة المواطن على الثقة في هذه الخدمات، وبقدرة الإدارة على التخلي عن ثقافة االوثيقة الورقيةب التي ما تزال حاضرة بقوة في كثير من المؤسسات رغم جهود الرقمنة.
وفي الواقع، يلاحظ أن عدداً كبيراً من التونسيين مازالوا يفضلون التنقل إلى الإدارات، والوقوف في الطوابير، وطلب الأختام والإمضاءات، حتى عندما تكون بعض الخدمات متوفرة إلكترونياً. ولا يعود ذلك دائماً إلى ضعف الثقافة الرقمية، بل أحياناً إلى غياب الثقة في أن الخدمة الرقمية ستكون معترفاً بها لدى جميع الإدارات أو أنها ستختصر فعلاً الوقت والجهد.
ومن جهة أخرى، لا تزال بعض الإدارات نفسها تطلب من المواطن وثائق سبق أن سلمها إلى إدارة أخرى، أو تطلب نسخاً ورقية من وثائق أصبحت متوفرة إلكترونياً، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى جاهزية المنظومة الإدارية لمواكبة التحول الرقمي الحقيقي.
إن الرقمنة ليست مجرد تحويل الاستمارات من الورق إلى الشاشة، بل هي إعادة هندسة للإجراءات الإدارية برمتها، بما يختزل عدد الوثائق المطلوبة، ويقلص آجال إنجاز الملفات، ويعتمد مبدأ تبادل المعطيات بين الإدارات عوضاً عن تحميل المواطن مسؤولية التنقل بين المكاتب.
كما أن نجاح هذا التحول يقتضي استثماراً موازياً في العنصر البشري. فالموظف العمومي يحتاج بدوره إلى تكوين مستمر يمكنه من التعامل مع التطبيقات والمنصات الجديدة، ويجعله شريكاً في إنجاح الإصلاح، لا متخوفاً منه أو معرقلاً له.
ولا يمكن إغفال الفجوة الرقمية التي ما تزال قائمة بين الجهات وبين الفئات العمرية المختلفة. فبينما يتعامل الشباب بسهولة مع التطبيقات والخدمات الإلكترونية، يجد عدد من كبار السن أو سكان بعض المناطق الداخلية صعوبة في الولوج إلى هذه الخدمات، سواء بسبب ضعف التغطية بالإنترنات أو محدودية الإلمام بالتقنيات الحديثة.
ومن هنا تبرز أهمية مرافقة الرقمنة بحملات توعية وتكوين موجهة للمواطنين، إلى جانب توفير فضاءات مساعدة داخل الإدارات والبلديات تمكن من إرشاد مستعملي الخدمات الرقمية في المرحلة الانتقالية.
اقتصادياً، يمكن للرقمنة أن تحقق مكاسب كبيرة للدولة، من خلال تقليص كلفة المعاملات الإدارية، والحد من استهلاك الورق، وتقليص آجال معالجة الملفات، فضلاً عن تعزيز الشفافية والحد من فرص الفساد الإداري الناتج عن الاحتكاك المباشر في بعض الخدمات.
كما أن المستثمر، سواء كان تونسياً أو أجنبياً، أصبح ينظر إلى سرعة الإجراءات الإدارية باعتبارها أحد أهم مؤشرات مناخ الأعمال. فكل دقيقة يتم اختصارها في مسار الحصول على ترخيص أو وثيقة إدارية تمثل عامل جذب للاستثمار وتعزيزاً لقدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة.
ومن المهم في هذا الصدد،ضمان أمن المعطيات الشخصية وحمايتها، خاصة مع توسع استخدام الهوية الرقمية والخدمات الإلكترونية. فثقة المواطن في المنظومة الرقمية لن تكتمل إلا إذا اطمأن إلى أن بياناته محفوظة وفق أعلى معايير السلامة والخصوصية.
إن بلادنا تمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال من إدارة تقليدية إلى إدارة ذكية، لكن نجاح هذا المشروع لن يتحقق بمجرد توفير التطبيقات والمنصات، بل بإحداث تغيير ثقافي شامل يجعل الرقمنة أسلوب عمل يومياً، ويجعل المواطن يثق في الخدمة الإلكترونية بقدر ثقته في الوثيقة الورقية.
