2026-07-07

شُعب‭ ‬تَعِدُ‭ ‬بالشغل‭ ‬تستقطب‭ ‬المتفوّقين‭:‬

علوم‭ ‬التربية‭ ‬والتمريض‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬اهتمامات‭ ‬الناجحين‭ ‬في‭ ‬الباكالوريا

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬اختيار‭ ‬الشعبة‭ ‬الجامعية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬الناجحين‭ ‬في‭ ‬امتحان‭ ‬الباكالوريا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬قرارًا‭ ‬تحكمه‭ ‬الميول‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لبعض‭ ‬الاختصاصات‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬سابقة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬قرارًا‭ ‬يرتبط،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬بفرص‭ ‬الإدماج‭ ‬المهني‭ ‬وسرعة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وظيفة‭ ‬بعد‭ ‬التخرج‭. ‬

فمع‭ ‬اقتراب‭ ‬انطلاق‭ ‬مراحل‭ ‬التوجيه‭ ‬الجامعي،‭ ‬تتجه‭ ‬أنظار‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الناجحين‭ ‬نحو‭ ‬الشُعب‭ ‬التي‭ ‬تُعرف‭ ‬بندرة‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الشغل،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬علوم‭ ‬التربية‭ ‬وعلوم‭ ‬التمريض‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بعض‭ ‬الاختصاصات‭ ‬التقنية‭ ‬والصحية‭ ‬الأخرى‭.‬

ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬تغيرًا‭ ‬لافتًا‭ ‬في‭ ‬عقلية‭ ‬الأسر‭ ‬التونسية‭ ‬والطلبة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬تداولًا‭ ‬بعد‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬ليس‭: ‬اما‭ ‬هو‭ ‬الاختصاص‭ ‬الذي‭ ‬أحبه؟ب،‭ ‬وإنما‭ ‬اما‭ ‬هو‭ ‬الاختصاص‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬لي‭ ‬مستقبلًا‭ ‬مهنيًا‭ ‬مستقرا؟ب‭.‬

وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اصطدم‭ ‬آلاف‭ ‬خريجي‭ ‬بعض‭ ‬الشعب‭ ‬الجامعية‭ ‬بواقع‭ ‬البطالة‭ ‬وصعوبة‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الشغل،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬أولوياتها‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬اختصاصات‭ ‬تشهد‭ ‬طلبًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬تونس‭ ‬أو‭ ‬خارجها‭.‬

وتبرز‭ ‬شعبة‭ ‬علوم‭ ‬التربية‭ ‬باعتبارها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الوجهات‭ ‬المنتظرة‭ ‬خلال‭ ‬دورة‭ ‬التوجيه‭ ‬الحالية،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬توسع‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الإطارات‭ ‬التربوية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المراحل‭ ‬التعليمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فتح‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬للانتداب‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬والخاصة‭. ‬كما‭ ‬ينظر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الناجحين‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الشعبة‭ ‬باعتبارها‭ ‬استثمارًا‭ ‬مهنيًا‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭ ‬يوفر‭ ‬قدرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬الوظيفي‭.‬

ولا‭ ‬تقل‭ ‬علوم‭ ‬التمريض‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬علوم‭ ‬التربية،‭ ‬إذ‭ ‬تواصل‭ ‬هذه‭ ‬الشعبة‭ ‬استقطاب‭ ‬أعداد‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬الطلبة،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بالنقص‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬الإطارات‭ ‬شبه‭ ‬الطبية،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬التونسية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬والخليجية‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬الكفاءات‭ ‬التونسية‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل‭. ‬ويجعل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬من‭ ‬التكوين‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬الصحة‭ ‬خيارًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العائلات‭.‬

كما‭ ‬تشهد‭ ‬اختصاصات‭ ‬أخرى‭ ‬بدورها‭ ‬اهتمامًا‭ ‬متزايدًا،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬العلاج‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وتقنيات‭ ‬الأشعة،‭ ‬والبيولوجيا‭ ‬الطبية،‭ ‬والإعلامية،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬وبعض‭ ‬الاختصاصات‭ ‬الهندسية‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬مرتبطة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالتحولات‭ ‬الرقمية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الجديد‭.‬

المتابعون‭ ‬للشأن‭ ‬الجامعي‭ ‬يرون‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬تمثل‭ ‬مؤشرًا‭ ‬إيجابيًا‭ ‬على‭ ‬تنامي‭ ‬وعي‭ ‬الطلبة‭ ‬بأهمية‭ ‬المواءمة‭ ‬بين‭ ‬التكوين‭ ‬الأكاديمي‭ ‬واحتياجات‭ ‬سوق‭ ‬الشغل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يساهم‭ ‬مستقبلاً‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الاختلال‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬مخرجات‭ ‬الجامعة‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يطرح‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي،‭ ‬أبرزها‭ ‬ضرورة‭ ‬توفير‭ ‬طاقة‭ ‬استيعاب‭ ‬كافية‭ ‬في‭ ‬الشعب‭ ‬الأكثر‭ ‬طلبًا،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬اختصاصات‭ ‬مغلقة‭ ‬أمام‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المتفوقين،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬مواصلة‭ ‬مراجعة‭ ‬الخارطة‭ ‬الجامعية‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬تطوير‭ ‬الاختصاصات‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬فائضًا‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الخريجين‭ ‬مقابل‭ ‬محدودية‭ ‬فرص‭ ‬التشغيل‭.‬

كما‭ ‬يؤكد‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬سياسة‭ ‬التوجيه‭ ‬الجامعي‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بتوزيع‭ ‬الطلبة‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬كفاءات‭ ‬تستجيب‭ ‬للحاجيات‭ ‬الحقيقية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬الطالب‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬اختصاص‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬قدراته‭ ‬وطموحاته‭.‬

وتؤكد‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحالية‭ ‬أن‭ ‬التوجيه‭ ‬الجامعي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬يشهد‭ ‬تحولًا‭ ‬نوعيًا،‭ ‬عنوانه‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬االشهادة‭ ‬الجامعيةب‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬االمهنةب‭. ‬فجيل‭ ‬اليوم‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬المستقبل،‭ ‬وأكثر‭ ‬إدراكًا‭ ‬بأن‭ ‬قيمة‭ ‬الاختصاص‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بمكانته‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬تحفظ‭ ‬الكرامة‭ ‬وتحقق‭ ‬الاستقرار‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بين‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والإدارة‭ ‬العمومية‭:‬ ثقافة‭ ‬الورق‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬المعاملات‭ ‬اليومية

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ مع‭ ‬دخول‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ …