شُعب تَعِدُ بالشغل تستقطب المتفوّقين:
علوم التربية والتمريض في صدارة اهتمامات الناجحين في الباكالوريا
الصحافة اليوم : مصباح الجدي
لم يعد اختيار الشعبة الجامعية بالنسبة إلى آلاف الناجحين في امتحان الباكالوريا في تونس قرارًا تحكمه الميول الشخصية أو المكانة الاجتماعية لبعض الاختصاصات كما كان الحال في سنوات سابقة، بل أصبح قرارًا يرتبط، أكثر من أي وقت مضى، بفرص الإدماج المهني وسرعة الحصول على وظيفة بعد التخرج.
فمع اقتراب انطلاق مراحل التوجيه الجامعي، تتجه أنظار عدد كبير من الناجحين نحو الشُعب التي تُعرف بندرة البطالة في سوق الشغل، وفي مقدمتها علوم التربية وعلوم التمريض إلى جانب بعض الاختصاصات التقنية والصحية الأخرى.
ويعكس هذا التوجه تغيرًا لافتًا في عقلية الأسر التونسية والطلبة على حد سواء، حيث أصبح السؤال الأكثر تداولًا بعد الإعلان عن النتائج ليس: اما هو الاختصاص الذي أحبه؟ب، وإنما اما هو الاختصاص الذي يضمن لي مستقبلًا مهنيًا مستقرا؟ب.
وقد ساهمت السنوات الأخيرة في ترسيخ هذا المنطق، بعد أن اصطدم آلاف خريجي بعض الشعب الجامعية بواقع البطالة وصعوبة الاندماج في سوق الشغل، الأمر الذي دفع الأجيال الجديدة إلى مراجعة أولوياتها والبحث عن اختصاصات تشهد طلبًا متزايدًا سواء داخل تونس أو خارجها.
وتبرز شعبة علوم التربية باعتبارها واحدة من أبرز الوجهات المنتظرة خلال دورة التوجيه الحالية، خاصة بعد توسع الحاجة إلى الإطارات التربوية في مختلف المراحل التعليمية، إلى جانب فتح آفاق جديدة للانتداب في المؤسسات العمومية والخاصة. كما ينظر كثير من الناجحين إلى هذه الشعبة باعتبارها استثمارًا مهنيًا طويل المدى يوفر قدرًا مهمًا من الاستقرار الوظيفي.
ولا تقل علوم التمريض أهمية عن علوم التربية، إذ تواصل هذه الشعبة استقطاب أعداد متزايدة من الطلبة، مدفوعة بالنقص المسجل في الإطارات شبه الطبية، سواء داخل المؤسسات الصحية التونسية أو في عدد من الدول الأوروبية والخليجية التي تستقطب الكفاءات التونسية بشكل متواصل. ويجعل هذا الواقع من التكوين في مهن الصحة خيارًا استراتيجيًا بالنسبة إلى العديد من العائلات.
كما تشهد اختصاصات أخرى بدورها اهتمامًا متزايدًا، على غرار العلاج الطبيعي، وتقنيات الأشعة، والبيولوجيا الطبية، والإعلامية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وبعض الاختصاصات الهندسية الدقيقة التي أصبحت مرتبطة مباشرة بالتحولات الرقمية والاقتصاد الجديد.
المتابعون للشأن الجامعي يرون اليوم أن هذه التحولات تمثل مؤشرًا إيجابيًا على تنامي وعي الطلبة بأهمية المواءمة بين التكوين الأكاديمي واحتياجات سوق الشغل، وهو ما قد يساهم مستقبلاً في الحد من الاختلال القائم بين مخرجات الجامعة ومتطلبات الاقتصاد الوطني.
في المقابل، يطرح هذا التوجه تحديات جديدة أمام مؤسسات التعليم العالي، أبرزها ضرورة توفير طاقة استيعاب كافية في الشعب الأكثر طلبًا، حتى لا تتحول إلى اختصاصات مغلقة أمام عدد كبير من المتفوقين، فضلاً عن مواصلة مراجعة الخارطة الجامعية بما يضمن تطوير الاختصاصات التي تشهد فائضًا في عدد الخريجين مقابل محدودية فرص التشغيل.
كما يؤكد مختصون أن نجاح سياسة التوجيه الجامعي لا يقاس فقط بتوزيع الطلبة على مختلف المؤسسات، وإنما بقدرتها على تكوين كفاءات تستجيب للحاجيات الحقيقية للاقتصاد الوطني، مع المحافظة في الوقت ذاته على حق الطالب في اختيار اختصاص يتلاءم مع قدراته وطموحاته.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن التوجيه الجامعي في تونس يشهد تحولًا نوعيًا، عنوانه الانتقال من ثقافة االشهادة الجامعيةب إلى ثقافة االمهنةب. فجيل اليوم يبدو أكثر واقعية في قراءة المستقبل، وأكثر إدراكًا بأن قيمة الاختصاص لا تُقاس فقط بمكانته الأكاديمية، بل أيضًا بقدرته على توفير فرصة عمل تحفظ الكرامة وتحقق الاستقرار.
بين التكنولوجيا والإدارة العمومية: ثقافة الورق تسيطر على المعاملات اليومية
الصحافة اليوم:مصباح الجدي مع دخول عدد من الخدمات العمومية في تونس …
