إفريقيا… حين تبحث تونس عن سوق أرحب
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
لم تعد إفريقيا ذلك االعمق المنسيب الذي كانت تنظر إليه بعض العواصم العربية بوصفه هامشاً جغرافياً بعيداً أو مجالاً محدود الجدوى الاقتصادية فالقارة التي كانت تُختزل طويلاً في صور الفقر والحروب والمجاعات، أصبحت اليوم واحدة من أكبر ساحات التنافس الاقتصادي والاستثماري في العالم والسبب بسيط إفريقيا هي سوق المستقبل. وفي هذا السياق، يبدو أن تونس بدأت تدرك، ولو متأخرة نسبياً، أن خلاصها الاقتصادي لا يمكن أن يبقى رهين أبواب تقليدية مزدحمة بالمنافسة والشروط والاختلالات، بل يحتاج إلى فتح نوافذ جديدة نحو فضاء أقرب إليها جغرافياً وتاريخياً وإنسانياً.
وضمن هذا الإطار تم الإعلان عن إطلاق مبادرة جديدة تتمثل في تنظيم صالون اأتاكس أكسبوب وهو معرض مخصص للترويج للخدمات والخبرات التونسية في مختلف القطاعات، على غرار الهندسة والصحة والتعليم والتكوين المهني والخدمات المحاسبية والصناعية، بهدف دعم تصدير الكفاءات التونسية نحو الأسواق الإفريقية. وأن الدورة الأولى للصالون ستنتظم أيام 6 و7 و8 أفريل 2027 بـقصر المعارض بالكرم، بالتزامن مع الدورة العاشرة لمنتدى افيتاب.
من هنا تأتي أهمية ما كشف عنه مجلس الأعمال التونسي الإفريقي خلال تقديم مخرجات الدورة التاسعة لمنتدى تمويل الاستثمار والتجارة في إفريقيا افيتا 2026ب، سواء من حيث حجم المشاركة أو طبيعة المشاريع أو المبادرات الجديدة التي تسعى إلى تثبيت الحضور التونسي داخل القارة.
لقد اكتشفت دول كثيرة أن النفوذ الحديث لا يُبنى فقط بالسلاح أو الخطابات السياسية، بل بالخبرة والخدمات والتكنولوجيا والتعليم والصحة والهندسة.
وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط القوة التونسية.
فتونس، رغم أزماتها الاقتصادية، ما تزال تملك رأس مال بشرياً مهماً.
أطباء ومهندسون وخبراء ومؤسسات تكوين وكفاءات تقنية تستطيع أن تجد لنفسها مكاناً داخل قارة تحتاج إلى كل شيء تقريباً:
البنية التحتية، والخدمات الصحية، والرقمنة، والتعليم، والهندسة، والتخطيط العمراني، والتكنولوجيا.
ولهذا يبدو أن إطلاق صالون اأتاكس إكسبوب يبدو خطوة ذكية تتجاوز منطق تصدير السلع التقليدية نحو تصدير المعرفة والخبرة فالعالم لم يعد يقوم فقط على بيع المواد الخام، بل على بيع القيمة المضافة والدول التي تملك كفاءات بشرية قادرة على التموقع داخل الأسواق الجديدة تملك فرصة حقيقية للتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة فإن ما يميز التوجه نحو إفريقيا أيضاً هو أنه يمنح تونس هامشاً أوسع للحركة مقارنة ببعض الأسواق التقليدية المغلقة أو المشروطة.
في أوروبا مثلاً، المنافسة شرسة، والمعايير معقدة، والأسواق شبه مشبعة، والعلاقات الاقتصادية كثيراً ما تحكمها اختلالات واضحة لصالح الطرف الأقوى.
أما في إفريقيا، فما تزال الفرص مفتوحة، والحاجيات هائلة، وإمكانيات النمو أكبر.
ثم إن إفريقيا ليست فقط سوقاً للاستهلاك، بل فضاء استراتيجياً لبناء شراكات طويلة المدى فالمشاريع الكبرى التي تحدث عنها المنتدى، مثل انوفيشن سيتي كينشاساب واتكنوباركب، تكشف أن الأمر لم يعد يتعلق بتجارة ظرفية، بل بمحاولات لبناء حضور تونسي دائم داخل اقتصادات إفريقية صاعدة وهنا تكمن أهمية الانتقال من عقلية االصفقةب إلى عقلية االشراكةب.
فالاستثمارات التي تُبنى على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة تكون أكثر استدامة من العلاقات الاقتصادية التقليدية القائمة على التبعية أو الشروط المجحفة أو الاستنزاف وهنا تملك تونس فرصة مهمة، لأنها ليست قوة استعمارية، ولا دولة تبحث عن النفوذ العسكري، بل بلداً متوسط الإمكانيات يمكنه أن يقدم نفسه كشريك قريب ثقافياً وإنسانياً وتنموياً.
لكن النجاح في إفريقيا لا يتحقق بالشعارات وحدها فالأسواق الإفريقية تحتاج إلى تمويل، ولوجستيك، وخطوط نقل، وحضور مصرفي، ودبلوماسية اقتصادية نشطة، ومؤسسات قادرة على المجازفة والاستمرارية.
ولهذا كانت ملاحظة الكاتبة العامة لمجلس الأعمال التونسي الإفريقي نادية يعيش مهمة حين تحدثت عن محدودية تمويل البنوك التونسية للمشاريع الإفريقية، وهو ما دفع إلى التفكير في استراتيجية التكتلات الاقتصادية والكونسورتيومات فالعمل الفردي لم يعد كافياً في عالم الاقتصاد الحديث والمشاريع الكبرى تحتاج إلى تحالفات تجمع الخبرة والتمويل والتكنولوجيا والقدرة على التنفيذ.
كما أن تطوير اغرف الحلمب لربط أصحاب المشاريع بالمؤسسات المالية الإفريقية والدولية يمثل خطوة ضرورية، لأن أكبر مشكلة تواجه المستثمرين في إفريقيا ليست دائماً غياب الفرص، بل صعوبة التمويل وضمان الاستمرارية.
وفي النهاية، يبدو أن تونس بدأت تفهم أن مستقبلها الاقتصادي لا يمكن أن يبقى معلّقاً فقط بالشمال فإفريقيا ليست مجرد خيار جغرافي، بل خيار استراتيجي طويل المدى ,القارة تنمو بسرعة، وسكانها يتزايدون، وطبقاتها الوسطى تتوسع، واحتياجاتها تتضاعف.
ومن يصل إليها مبكراً، ويحسن بناء شراكاته، سيحجز لنفسه مكاناً في اقتصاد الغد.
بمناسبة اليوم العالمي للمترولوجيا : تونس تستفيد من اعلم القياسب لرسم سياساتها العمومية
الصحافة اليوم : عادل البرينصي هناك أشياء لا يراها المواطن في حياته الي…

