2026-06-03

فيلم‭ “‬قيد‭ ‬عالساسي‭” ‬لصالح‭ ‬الجدي‭:‬ وثائقي‭ ‬يعيد‭ ‬كتابة‭ ‬ذاكرة‭ ‬المقاومة‭ ‬التونسية‭ ‬بين‭ ‬التوثيق‭ ‬والتصحيح‭ ‬التاريخي

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬عواطف‭ ‬السويدي

في‭ ‬سياق‭ ‬متجدد‭ ‬لإحياء‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬وإعادة‭ ‬قراءة‭ ‬صفحات‭ ‬الكفاح‭ ‬التحرري،‭ ‬قدم‭ ‬فريق‭ ‬عمل‭ “‬قيد‭ ‬عالساسي‭”‬،‭ ‬هذا‭ ‬الشريط‭ ‬الوثائقي‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬للصحفيين‭ ‬بتونس‭ ‬العاصمة‭ ‬الأسبوع‭ ‬الفارط،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬تم‭ ‬عرضه‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬قاعات‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭.‬

‭ ‬وهو‭ ‬فيلم‭ ‬من‭ ‬إخراج‭ ‬ونصّ‭ ‬الممثل‭ ‬صالح‭ ‬الجدي،‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬سينمائي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬مسيرة‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬رموز‭ ‬المقاومة‭ ‬التونسية،‭ ‬القائد‭ ‬ساسي‭ ‬الأسود،‭ ‬أحد‭ ‬قادة‭ ‬جيش‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭.‬

الوثائقي،‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬تقديمه‭ ‬خلال‭ ‬ندوة‭ ‬صحفية،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بسرد‭ ‬الأحداث،‭ ‬بل‭ ‬يطرح‭ ‬مقاربة‭ ‬توثيقية‭ ‬دقيقة،‭ ‬استندت‭ ‬إلى‭ ‬أرشيف‭ ‬غني‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬والصور‭ ‬النادرة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬شهادات‭ ‬حية‭ ‬لمقاومين‭ ‬عايشوا‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭. ‬وقد‭ ‬خضع‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬تدقيق‭ ‬تاريخي‭ ‬أشرف‭ ‬عليه‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الزعراوي،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬مصداقية‭ ‬الرواية‭ ‬ويمنحها‭ ‬عمقاً‭ ‬علمياً‭. ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ “‬قيد‭ ‬عالساسي‭” ‬هو‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬سرد‭ ‬كرونولوجي‭ ‬دقيق،‭ ‬يعيد‭ ‬تركيب‭ ‬الأحداث‭ ‬يوماً‭ ‬بيوم،‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1952‭ ‬و1954،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬العمل‭ ‬المسلح‭ ‬ضد‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭. ‬ويبرز‭ ‬الفيلم‭ ‬كيف‭ ‬تحولت‭ ‬المقاومة‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬متفرقة‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬أكثر‭ ‬هيكلة،‭ ‬يقوده‭ ‬رجال‭ ‬مثل‭ ‬ساسي‭ ‬الأسود،‭ ‬الذي‭ ‬لعب‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تأطير‭ ‬العمل‭ ‬الفدائي‭. ‬ويغوص‭ ‬الوثائقي‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمقاومين،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭”‬الفلاقة‭”‬،‭ ‬كاشفاً‭ ‬عن‭ ‬ظروف‭ ‬عيشهم‭ ‬القاسية‭ ‬في‭ ‬الجبال‭ ‬والمخابئ،‭ ‬وتنقلاتهم‭ ‬المستمرة‭ ‬لتفادي‭ ‬الملاحقة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أساليب‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنفيذ‭ ‬للعمليات‭ ‬المسلحة‭ ‬ضد‭ ‬قوات‭ “‬الجندرمة‭” ‬الفرنسية‭. ‬كما‭ ‬يعرض‭ ‬العمل‭ ‬المواجهات‭ ‬المباشرة‭ ‬التي‭ ‬انتهى‭ ‬بعضها‭ ‬باستشهاد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المقاومين،‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬توثيقية‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬التضحيات‭ ‬التي‭ ‬بذلت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاستقلال‭.‬

ولا‭ ‬يقف‭ ‬الفيلم‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬السرد‭ ‬التاريخي،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬بعض‭ ‬الرموز‭ ‬المتجذرة‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الشعبي،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬المثل‭ ‬الشهير‭ “‬قيد‭ ‬عالساسي‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬اختير‭ ‬عنواناً‭ ‬للعمل‭. ‬ويسعى‭ ‬الوثائقي‭ ‬إلى‭ ‬تفسير‭ ‬خلفيات‭ ‬هذا‭ ‬التعبير‭ ‬وعلاقته‭ ‬بشخصية‭ ‬ساسي‭ ‬الأسود،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لربط‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشفوية‭ ‬بالمصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬المكتوبة‭.‬

كما‭ ‬يطرح‭ ‬العمل‭ ‬أيضاً‭ ‬مسألة‭ ‬الروايات‭ ‬المتداولة‭ ‬حول‭ ‬قيادة‭ ‬العمل‭ ‬المقاوم،‭ ‬حيث‭ ‬يشير‭ ‬الباحث‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الزعراوي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬السرديات‭ ‬الشائعة،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تنسب‭ ‬قيادة‭ ‬المقاومة‭ ‬حصراً‭ ‬إلى‭ ‬أطراف‭ ‬سياسية‭ ‬معينة،‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬بدقة‭ ‬واقع‭ ‬الميدان،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحاول‭ ‬الفيلم‭ ‬تصحيحه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوثائق‭ ‬والشهادات‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬الجوانب‭ ‬اللافتة‭ ‬في‭ ‬شريط‭ “‬قيد‭ ‬عالساسي‭” ‬تطرقه‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال،‭ ‬خاصة‭ ‬ملف‭ ‬تسليم‭ ‬سلاح‭ “‬الفلاقة‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الملفات‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬تونس‭ ‬الحديث‭. ‬ويعرض‭ ‬الفيلم‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬آنذاك‭ ‬بين‭ ‬المقاومين‭ ‬والسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬الجديدة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬شهدتها‭ ‬البلاد‭.‬

كما‭ ‬يسلّط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬وعلى‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬المقاومون‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬المعركة‭ ‬المسلحة،‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬واصل‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬ومن‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬المشهد‭.‬

قراءة‭ ‬جديدة‭ ‬لدور‭ ‬المقاومة

يقدم‭ ‬الوثائقي‭ ‬أيضاً‭ ‬قراءة‭ ‬مغايرة‭ ‬لدوافع‭ ‬المقاومة،‭ ‬حيث‭ ‬يبرز،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬شهادات‭ ‬بعض‭ ‬المشاركين،‭ ‬أن‭ ‬البعد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬كان‭ ‬عاملاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬العمل‭ ‬المسلح،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الدوافع‭ ‬الوطنية‭. ‬ويستحضر‭ ‬الفيلم،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تداعيات‭ ‬اغتيال‭ ‬الزعيم‭ ‬فرحات‭ ‬حشاد،‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬تصعيد‭ ‬العمليات‭ ‬ضد‭ ‬المستعمرين‭.‬

ويتوقف‭ ‬الفيلم‭ ‬عند‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قائمة‭ ‬بين‭ ‬المقاومة‭ ‬التونسية‭ ‬ونظيرتها‭ ‬الجزائرية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬زخم‭ ‬ثوري‭ ‬مشترك‭ ‬طبع‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬قراءة‭ ‬إقليمية‭ ‬أوسع‭ ‬لتاريخ‭ ‬الكفاح‭ ‬المغاربي‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الاطار،‭ ‬أبرز‭ ‬الباحث‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الزعراوي‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لـ‭”‬الصحافة‭ ‬اليوم‭” ‬أن‭ ‬وثائقي‭ “‬قيد‭ ‬عالساسي‭” ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مقاربة‭ ‬توثيقية‭ ‬دقيقة،‭ ‬حيث‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬التدقيق‭ ‬التاريخي‭ ‬ومراجعة‭ ‬المعطيات‭ ‬لضمان‭ ‬مصداقيتها‭.‬

وأوضح‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬أرشيف‭ ‬وشهادات‭ ‬حية‭ ‬لإعادة‭ ‬سرد‭ ‬أحداث‭ ‬المقاومة‭ ‬بين‭ ‬1952‭ ‬و1954،‭ ‬مع‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تصحيح‭ ‬بعض‭ ‬الروايات‭ ‬الشائعة‭ ‬وتقديم‭ ‬صورة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الواقع،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إبراز‭ ‬الجوانب‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لحياة‭ ‬المقاومين‭.‬

ويمثل‭ “‬قيد‭ ‬عالساسي‭” ‬في‭ ‬مجمله‭ ‬محاولة‭ ‬جادة‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لشخصيات‭ ‬تاريخية‭ ‬بقيت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الشعبي،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تحظ‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬التوثيق‭ ‬السينمائي‭. ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬مسار‭ ‬أوسع‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬استثمار‭ ‬الفن‭ ‬السابع‭ ‬كوسيلة‭ ‬لحفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬ونقلها‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭.‬

ويؤكد‭ ‬مخرج‭ ‬العمل‭ ‬صالح‭ ‬الجدي‭ ‬في‭ ‬تصريحه‭ ‬لـ‭”‬الصحافة‭ ‬اليوم‭”‬،‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يدّعي‭ ‬تقديم‭ ‬حقيقة‭ ‬مطلقة،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬عرض‭ ‬الأحداث‭ ‬كما‭ ‬وثقتها‭ ‬المصادر‭ ‬المتوفرة،‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬أو‭ ‬تأويل‭ ‬مفرط،‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬لروح‭ ‬التاريخ‭ ‬وتعقيداته‭.‬

وبين‭ ‬ان‭ ‬الفيلم‭ ‬يقدم‭ ‬مادة‭ ‬بصرية‭ ‬وتوثيقية‭ ‬ثرية،‭ ‬تفتح‭ ‬نقاشاً‭ ‬جديداً‭ ‬حول‭ ‬تاريخ‭ ‬المقاومة‭ ‬التونسية،‭ ‬وتعيد‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬الذاكرة‭ ‬والهوية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

غدا‭ ‬خلال‭ ‬جلسة‭ ‬عمل‭ ‬بمجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب لجنة‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬تنظر‭ ‬في‭ ‬مقترح‭ ‬قانون‭ ‬مجلس‭ ‬التونسيين‭ ‬بالخارج

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عواطف‭ ‬السويدي‭ ‬ تستعدّ‭ ‬لجنة‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬والتعاون‭ ‬ال…