فيلم “قيد عالساسي” لصالح الجدي: وثائقي يعيد كتابة ذاكرة المقاومة التونسية بين التوثيق والتصحيح التاريخي
الصحافة اليوم:عواطف السويدي
في سياق متجدد لإحياء الذاكرة الوطنية وإعادة قراءة صفحات الكفاح التحرري، قدم فريق عمل “قيد عالساسي”، هذا الشريط الوثائقي في عرض للصحفيين بتونس العاصمة الأسبوع الفارط، بعد ان تم عرضه بعدد من قاعات السينما في الجنوب.
وهو فيلم من إخراج ونصّ الممثل صالح الجدي، في عمل سينمائي يسعى إلى تسليط الضوء على مسيرة أحد أبرز رموز المقاومة التونسية، القائد ساسي الأسود، أحد قادة جيش التحرير الوطني خلال فترة الاستعمار الفرنسي.
الوثائقي، الذي تم تقديمه خلال ندوة صحفية، لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يطرح مقاربة توثيقية دقيقة، استندت إلى أرشيف غني من الوثائق والصور النادرة، إضافة إلى شهادات حية لمقاومين عايشوا تلك المرحلة. وقد خضع هذا العمل إلى تدقيق تاريخي أشرف عليه الباحث في التاريخ المعاصر عبد الله الزعراوي، بما يعزز مصداقية الرواية ويمنحها عمقاً علمياً. من أبرز ما يميز “قيد عالساسي” هو اعتماده على سرد كرونولوجي دقيق، يعيد تركيب الأحداث يوماً بيوم، خاصة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1952 و1954، وهي مرحلة مفصلية في تصاعد العمل المسلح ضد الاستعمار الفرنسي. ويبرز الفيلم كيف تحولت المقاومة من ردود فعل متفرقة إلى تنظيم أكثر هيكلة، يقوده رجال مثل ساسي الأسود، الذي لعب دوراً محورياً في تأطير العمل الفدائي. ويغوص الوثائقي في تفاصيل الحياة اليومية للمقاومين، أو ما يُعرف بـ”الفلاقة”، كاشفاً عن ظروف عيشهم القاسية في الجبال والمخابئ، وتنقلاتهم المستمرة لتفادي الملاحقة، إلى جانب أساليب التخطيط والتنفيذ للعمليات المسلحة ضد قوات “الجندرمة” الفرنسية. كما يعرض العمل المواجهات المباشرة التي انتهى بعضها باستشهاد عدد من المقاومين، في مشاهد توثيقية تعكس حجم التضحيات التي بذلت من أجل الاستقلال.
ولا يقف الفيلم عند حدود السرد التاريخي، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك بعض الرموز المتجذرة في الوجدان الشعبي، وعلى رأسها المثل الشهير “قيد عالساسي”، الذي اختير عنواناً للعمل. ويسعى الوثائقي إلى تفسير خلفيات هذا التعبير وعلاقته بشخصية ساسي الأسود، في محاولة لربط الذاكرة الشفوية بالمصادر التاريخية المكتوبة.
كما يطرح العمل أيضاً مسألة الروايات المتداولة حول قيادة العمل المقاوم، حيث يشير الباحث عبد الله الزعراوي إلى أن بعض السرديات الشائعة، خاصة تلك التي تنسب قيادة المقاومة حصراً إلى أطراف سياسية معينة، لا تعكس بدقة واقع الميدان، وهو ما يحاول الفيلم تصحيحه من خلال الوثائق والشهادات.
ولعل من الجوانب اللافتة في شريط “قيد عالساسي” تطرقه إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، خاصة ملف تسليم سلاح “الفلاقة”، الذي يُعد من أكثر الملفات حساسية في تاريخ تونس الحديث. ويعرض الفيلم طبيعة العلاقة التي تشكلت آنذاك بين المقاومين والسلطة السياسية الجديدة، في ظل تحولات عميقة شهدتها البلاد.
كما يسلّط الضوء على التداخل بين البعد السياسي والعسكري في تلك المرحلة، وعلى التحديات التي واجهها المقاومون بعد نهاية المعركة المسلحة، بين من واصل الاندماج في الدولة الحديثة ومن وجد نفسه على هامش المشهد.
قراءة جديدة لدور المقاومة
يقدم الوثائقي أيضاً قراءة مغايرة لدوافع المقاومة، حيث يبرز، وفق ما ورد في شهادات بعض المشاركين، أن البعد الاقتصادي والاجتماعي كان عاملاً أساسياً في تحريك العمل المسلح، إلى جانب الدوافع الوطنية. ويستحضر الفيلم، في هذا الإطار، تداعيات اغتيال الزعيم فرحات حشاد، الذي شكل نقطة تحول في تصعيد العمليات ضد المستعمرين.
ويتوقف الفيلم عند طبيعة العلاقات التي كانت قائمة بين المقاومة التونسية ونظيرتها الجزائرية، في ظل زخم ثوري مشترك طبع المنطقة خلال تلك الفترة، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة إقليمية أوسع لتاريخ الكفاح المغاربي.
في هذا الاطار، أبرز الباحث عبد الله الزعراوي في تصريح لـ”الصحافة اليوم” أن وثائقي “قيد عالساسي” يقوم على مقاربة توثيقية دقيقة، حيث ساهم في التدقيق التاريخي ومراجعة المعطيات لضمان مصداقيتها.
وأوضح أن الفيلم يعتمد على أرشيف وشهادات حية لإعادة سرد أحداث المقاومة بين 1952 و1954، مع السعي إلى تصحيح بعض الروايات الشائعة وتقديم صورة أقرب إلى الواقع، إلى جانب إبراز الجوانب الإنسانية والاجتماعية لحياة المقاومين.
ويمثل “قيد عالساسي” في مجمله محاولة جادة لإعادة الاعتبار لشخصيات تاريخية بقيت حاضرة في الوجدان الشعبي، لكنها لم تحظ بما يكفي من التوثيق السينمائي. وهو بذلك يندرج ضمن مسار أوسع يسعى إلى استثمار الفن السابع كوسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
ويؤكد مخرج العمل صالح الجدي في تصريحه لـ”الصحافة اليوم”، أن الفيلم لا يدّعي تقديم حقيقة مطلقة، بل يسعى إلى عرض الأحداث كما وثقتها المصادر المتوفرة، دون تدخل أو تأويل مفرط، في احترام لروح التاريخ وتعقيداته.
وبين ان الفيلم يقدم مادة بصرية وتوثيقية ثرية، تفتح نقاشاً جديداً حول تاريخ المقاومة التونسية، وتعيد طرح أسئلة الذاكرة والهوية.
غدا خلال جلسة عمل بمجلس نواب الشعب لجنة العلاقات الخارجية تنظر في مقترح قانون مجلس التونسيين بالخارج
الصحافة اليوم : عواطف السويدي تستعدّ لجنة العلاقات الخارجية والتعاون ال…
