2026-06-05

مدنين‭ ‬تحتفي‭ ‬بالتجريب‭ ‬للمرة‭ ‬التاسعة‭ ‬والعشرين‭ ‬و‭”‬جاكاراندا‭” ‬في‭ ‬الاختتام‭:‬ حتى‭ ‬يكون‭ ‬التجريب‭ ‬ضرورة‭ ‬لتجدد‭ ‬المسرح‭ ‬لا‭ ‬ترفا‭ ‬جماليا‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود،‭ ‬يواصل‭ ‬المهرجان‭ ‬الوطني‭ ‬لمسرح‭ ‬التجريب‭ ‬بمدنين‭ ‬أداء‭ ‬دوره‭ ‬بوصفه‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المختبرات‭ ‬المسرحية‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬وفضاءً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬الجمالية‭ ‬والفكرية‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬الخشبة‭ ‬المعاصرة‭. ‬ومع‭ ‬انطلاق‭ ‬دورته‭ ‬التاسعة‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬ماي‭ ‬إلى‭ ‬4‭ ‬جوان‭ ‬2026،‭ ‬يؤكد‭ ‬هذا‭ ‬الموعد‭ ‬الثقافي‭ ‬العريق‭ ‬وفاءه‭ ‬لروح‭ ‬مؤسسه‭ ‬المسرحي‭ ‬الراحل‭ ‬أنور‭ ‬الشعافي،‭ ‬الذي‭ ‬راهن‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬التسعينيات‭ ‬على‭ ‬جعل‭ ‬مدنين‭ ‬مركزاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬للمغامرة‭ ‬المسرحية‭ ‬والتجريب‭ ‬الفني‭.‬

وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬الجديدة‭ ‬جامعة‭  ‬بين‭ ‬العروض‭ ‬المسرحية‭ ‬والموسيقية‭ ‬والسينمائية‭ ‬والورشات‭ ‬التكوينية‭ ‬واللقاءات‭ ‬الفكرية،‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬عكس‭ ‬تنوع‭ ‬الرؤى‭ ‬الفنية‭ ‬وتعدد‭ ‬المقاربات‭ ‬الإبداعية،‭ ‬مع‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬المسرح‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحدث‭ ‬باعتباره‭ ‬أداة‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬والعالم

من‭ ‬االهارباتب‭ ‬إلى‭ ‬اجاكاراندا‭”‬

اختار‭ ‬المهرجان‭ ‬أن‭ ‬يستهل‭ ‬فعالياته‭ ‬بمسرحية‭ ‬االهارباتب‭ ‬للمخرجة‭ ‬وفاء‭ ‬الطبوبي،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأعمال‭ ‬المسرحية‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الموسم‭ ‬الحالي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬توجت‭ ‬بالجائزة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬السادسة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬المسرح‭ ‬العربي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التانيت‭ ‬الذهبي‭ ‬لأيام‭ ‬قرطاج‭ ‬المسرحية‭ ‬والجائزة‭ ‬الكبرى‭ ‬للمهرجان‭ ‬الوطني‭ ‬للمسرح‭ ‬التونسي‭ ‬امواسم‭ ‬الإبداعب‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬اختيار‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬للافتتاح‭ ‬اعتباطياً،‭ ‬بل‭ ‬عكس‭ ‬رغبة‭ ‬المنظمين‭ ‬في‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالمسرح‭ ‬التونسي‭ ‬حين‭ ‬يبلغ‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬نضجه‭ ‬الفني‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬ملامسة‭ ‬القضايا‭ ‬الإنسانية‭ ‬الراهنة‭.‬

ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬البرنامج‭ ‬على‭ ‬العروض‭ ‬المسرحية،‭ ‬بل‭ ‬تضمن‭ ‬عروضاً‭ ‬فرجوية‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العام،‭ ‬وورشات‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬الممثل‭ ‬بإشراف‭ ‬الفنان‭ ‬رمزي‭ ‬عزيز،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ندوة‭ ‬حول‭ ‬المسرح‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بما‭ ‬يؤكد‭ ‬انشغال‭ ‬المهرجان‭ ‬بأسئلة‭ ‬المستقبل‭ ‬والتحولات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬الفنون‭ ‬الحية‭.‬

هذا‭ ‬وقد‭ ‬التقى‭ ‬الجمهور‭ ‬خلال‭ ‬فعاليات‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬مع‭ ‬أعمال‭ ‬متنوعة‭ ‬مثل‭ ‬افلّةب‭ ‬واأرمقدون‭ ‬9ب‭ ‬وارارب‭ ‬واتمثال‭ ‬حجرب،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬عروض‭ ‬موسيقية‭ ‬وتقديم‭ ‬إصدارات‭ ‬جديدة‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬والكتاب‭ ‬المسرحيين،‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬الفكري‭ ‬للمهرجان‭ ‬وحرصه‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الممارسة‭ ‬المسرحية‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي‭.‬

‭”‬جاكاراندا‭”… ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬المسرح‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬وجودي

و‭ ‬يبلغ‭ ‬المهرجان‭ ‬يومه‭ ‬الاختتامي‭ ‬اليوم‭ ‬04‭ ‬جوان‭  ‬بعرض‭ ‬اجاكارانداب،‭ ‬وهو‭ ‬عمل‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬المسرح‭ ‬الوطني‭ ‬التونسي،‭ ‬كتبه‭ ‬عبد‭ ‬الحليم‭ ‬المسعودي‭ ‬وأخرجه‭ ‬نزار‭ ‬السعيدي‭. ‬وقد‭ ‬فرض‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬نفسه‭ ‬خلال‭ ‬الموسم‭ ‬المسرحي‭ ‬الأخير‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأعمال‭ ‬التونسية،‭ ‬بعد‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬التانيت‭ ‬البرونزي‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬السادسة‭ ‬والعشرين‭ ‬لأيام‭ ‬قرطاج‭ ‬المسرحية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬جوائز‭ ‬في‭ ‬المهرجان‭ ‬الوطني‭ ‬للمسرح‭ ‬التونسي‭ ‬امواسم‭ ‬الإبداعب‭ ‬شملت‭ ‬أفضل‭ ‬نص‭ ‬وأفضل‭ ‬إخراج‭ ‬وأفضل‭ ‬سينوغرافيا‭.‬

وتنبع‭ ‬أهمية‭ ‬اجاكارانداب‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬عملاً‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬قوة‭ ‬الكتابة‭ ‬الدرامية‭ ‬وثراء‭ ‬الرؤية‭ ‬الإخراجية‭. ‬فالنص‭ ‬الذي‭ ‬صاغه‭ ‬عبد‭ ‬الحليم‭ ‬المسعودي‭ ‬ينفتح‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬الذاكرة‭ ‬والهوية‭ ‬والمصير‭ ‬الإنساني،‭ ‬ويشتغل‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الحكي،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬المسرح‭ ‬فضاءً‭ ‬لتقاطع‭ ‬الذاتي‭ ‬بالجماعي،‭ ‬والحميمي‭ ‬بالتاريخي‭.‬

أما‭ ‬إخراج‭ ‬نزار‭ ‬السعيدي‭ ‬فيقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬بصري‭ ‬كثيف،‭ ‬استثمر‭ ‬إمكانات‭ ‬السينوغرافيا‭ ‬والإضاءة‭ ‬والحركة‭ ‬المسرحية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬خلق‭ ‬عالم‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الواقعية‭ ‬بالشاعرية‭. ‬فلا‭ ‬يكتفي‭ ‬العرض‭ ‬بسرد‭ ‬الحكاية،‭ ‬بل‭ ‬يحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬حسية‭ ‬وبصرية‭ ‬تضع‭ ‬المتفرج‭ ‬أمام‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬العلامات‭ ‬والرموز‭ ‬التي‭ ‬تدعوه‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬المعنى‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬رهانات‭ ‬اجاكارانداب‭ ‬أيضاً‭ ‬سعيها‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬الأشكال‭ ‬المسرحية‭ ‬التقليدية،‭ ‬عبر‭ ‬توظيف‭ ‬لغة‭ ‬ركحية‭ ‬معاصرة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬والإيقاع‭ ‬الجسدي‭ ‬والتكوينات‭ ‬المشهدية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬منسجمة‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬مهرجان‭ ‬يقوم‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬التجريب‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬للتعبير‭ ‬المسرحي‭.‬

إرث‭ ‬أنور‭ ‬الشعافي‭ ‬يتجدد

لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مهرجان‭ ‬المسرح‭ ‬التجريبي‭ ‬بمدنين‭ ‬دون‭ ‬استحضار‭ ‬مؤسسه‭ ‬الراحل‭ ‬أنور‭ ‬الشعافي،‭ ‬الذي‭ ‬آمن‭ ‬بأن‭ ‬الجهات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬مشاريع‭ ‬ثقافية‭ ‬كبرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تحتضنها‭ ‬العواصم‭. ‬وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬تأسيسه‭ ‬سنة‭ ‬1992،‭ ‬يواصل‭ ‬المهرجان‭ ‬تجديد‭ ‬هذا‭ ‬الرهان،‭ ‬مستقطباً‭ ‬المسرحيين‭ ‬والجمهور‭ ‬والباحثين‭ ‬حول‭ ‬فكرة‭ ‬جوهرية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬التجريب‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬جمالياً،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬لتجدد‭ ‬المسرح‭ ‬واستمرار‭ ‬حيويته

وفي‭ ‬دورة‭ ‬تبدو‭ ‬وفية‭ ‬لهذا‭ ‬التصور،‭ ‬أثبت‭ ‬مهرجان‭ ‬مدنين‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تظاهرة‭ ‬موسمية،‭ ‬بل‭ ‬تقليد‭ ‬ثقافي‭ ‬راسخ‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬جذوة‭ ‬الأسئلة‭ ‬المسرحية‭ ‬مشتعلة،‭ ‬فيما‭ ‬تأتي‭ ‬اجاكارانداب‭ ‬لتكون‭ ‬خاتمة‭ ‬تليق‭ ‬بهذا‭ ‬الموعد،‭ ‬عملاً‭ ‬يختزل‭ ‬طموح‭ ‬المسرح‭ ‬التونسي‭ ‬المعاصر‭ ‬إلى‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬العمق‭ ‬الفكري‭ ‬والابتكار‭ ‬الجمالي،‭ ‬وبين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والتجديد‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مهرجان‭ ‬روتردام‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬جديدة‭: ‬ سوريا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬البرمجة‭ ‬والمخرجة‭ ‬التونسية‭”‬إيمان‭ ‬بن‭ ‬حسين‭”‬في‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي من‭ ‬10‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬جوان‭ ‬2026،‭ ‬تتحوّل‭ ‬مدينة‭ ‬رو…