بين تزايد الحوادث وضعف الإمكانيات الصحية سيارات الإسعاف.. سباق مع الزمن لإنقاذ الأرواح
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
لم تعد حوادث المرور وحالات التسمم الجماعي والطارئة في تونس مجرد أخبار عابرة تتصدر نشرات الأخبار أو صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى اختبارات حقيقية لمدى جاهزية المنظومة الصحية وقدرتها على التدخل السريع لإنقاذ الأرواح. وفي كل مرة تقع فيها كارثة أو حادث خطير، يعود إلى الواجهة سؤال، هل تمتلك المستشفيات الجهوية والمحلية العدد الكافي من سيارات الإسعاف لمواجهة الطوارئ؟
وخلال الأسابيع الأخيرة، أظهرت الوقائع الميدانية في عدد من الولايات، على غرار سيدي بوزيد وقفصة والقيروان، أن نقص سيارات الإسعاف بات يمثل إحدى أبرز حلقات الضعف في منظومة التدخل الصحي العاجل، خاصة مع تسجيل حوادث مرور دامية وحالات تسمم استوجبت نقل المصابين في أسرع وقت ممكن.
ويؤكد عدد من العاملين في القطاع الصحي أن الضغط المسلط على أسطول سيارات الإسعاف يتضاعف خلال فصل الصيف والمواسم الفلاحية وفترات الأعياد والعطل، حيث ترتفع نسبة الحوادث المرورية والإصابات المختلفة، في حين تظل الإمكانيات اللوجستية محدودة ولا تتناسب مع حجم الاحتياجات.
وفي العديد من المناطق الداخلية، قد تجد سيارة إسعاف واحدة نفسها مطالبة بالتدخل في أكثر من حادث في الوقت ذاته، أو قطع عشرات الكيلومترات لنقل مريض نحو مستشفى جامعي بسبب غياب الاختصاصات الطبية بالمستشفيات المحلية. وهو ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى تأخير عمليات الاسعاف، بينما تكون الدقائق الأولى حاسمة في إنقاذ حياة المصابين.
ولا يقتصر الأمر على حوادث المرور فقط، بل يشمل كذلك حالات التسمم الغذائي أو الكيميائي التي قد تصيب عدداً كبيراً من الأشخاص دفعة واحدة، وهو ما يستوجب تعبئة عدد مهم من سيارات الإسعاف بالتنسيق مع وحدات الحماية المدنية والمستشفيات المجاورة.
ورغم الجهود التي تبذلها وحدات الحماية المدنية والإطارات الطبية وشبه الطبية، فإنها تجد نفسها أحياناً أمام معادلة صعبة تتمثل في كثرة التدخلات مقابل محدودية الوسائل. فكثيراً ما يتم الاعتماد على سيارات إسعاف قادمة من معتمديات أو ولايات مجاورة لتعزيز عمليات النجدة، وهو حل ظرفي لا يمكن أن يعوض الحاجة إلى دعم دائم ومستدام للأسطول الصحي.
من جهة أخرى، يرى مختصون في الصحة العمومية أن معالجة هذا الإشكال لا تقتصر على اقتناء سيارات إسعاف جديدة فقط، بل تتطلب رؤية شاملة تشمل صيانة العربات الموجودة، وتوفير التجهيزات الطبية الضرورية داخلها، وتدعيم الموارد البشرية من سواق ومسعفين، إضافة إلى تطوير منظومة التنسيق بين المستشفيات والحماية المدنية ومصالح الطب الاستعجالي.
كما يطرح متابعون للشأن الصحي ضرورة إعادة النظر في توزيع سيارات الإسعاف بين الجهات وفق معايير موضوعية تأخذ بعين الاعتبار الكثافة السكانية، والمساحة الجغرافية، وعدد الحوادث المسجلة سنوياً، وطبيعة الأنشطة الاقتصادية التي قد ترفع من مخاطر الحوادث، مثل المناطق الصناعية والفلاحية وشبكات الطرقات السريعة.
ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه البنية التحتية للطرقات وبعد المسافات بين المؤسسات الصحية في تعقيد عمليات التدخل. ففي بعض المناطق الريفية، تتحول رحلة سيارة الإسعاف إلى تحد حقيقي بسبب رداءة المسالك أو طول المسافة الفاصلة بين مكان الحادث وأقرب مؤسسة صحية مجهزة.
في المقابل، يشدد عدد من المواطنين على أن الحق في العلاج السريع والنجدة الفورية هو جزء من الحق الدستوري في الصحة، وأن الفوارق بين الجهات في مستوى الخدمات الصحية يجب أن تتقلص تدريجياً من خلال سياسات عمومية أكثر عدلاً وإنصافاً.
حوادث المرور والكوارث الصحية لا تمنح المصاب مهلة إضافية، فالوقت في عالم الإسعاف يقاس بالدقائق والثواني، وأي تأخير قد يكون الفاصل بين الحياة والموت. لذلك، فإن دعم أسطول سيارات الإسعاف بالمستشفيات الجهوية والمحلية لم يعد مجرد مطلب مهني أو قطاعي، بل أصبح ضرورة إنسانية وتنموية تفرضها حماية الأرواح وضمان حق جميع التونسيين في تدخل صحي سريع وفعال.
الأعلاف الخشنة في تونس: معركة جديدة لحماية مربّي الماشية من الاحتكار ولهيب الأسعار
الصحافة اليوم: مصباح الجدي مع انطلاق موسم تجميع الأعلاف الخشنة وبيعها من قبل الفلاحين، يعو…
