يحمل المعرض عنوان Regards au quotidien ممّا يمكبفضاء “عين” معرض للفنان التشكيلي مختار هنان: حياةٌ ونبضٌ وامتلاءٌ وفاكهة ٌوضوءٌ وسلامٌ ولطفٌ وسحرٌ
الصحافة اليوم: كمال الهلالي
في معرضه الجديد (من6 إلى 20 جوان 2026) بفضاء «عين» لصاحبه الفنّان محمد العايب، يواصل الفنّان التشكيلي مختار هنان الحفر في نفس المناخات، بأسلوبه المميّز الذي لا تخطئه العين، كأنّه يرغب في استعادة عالم مهدّد بالضياع، أو لعلّه بمجرّد أن يرسمه يحفظه من آفات زمن سريع الايقاع.
ن ترجمته ترجمة تقريبيّة بـ« رؤى يوميّة». نحن إذا أمام فنّان يرى في اليومي، في العادي، ما لا نراه. الألوان، الوجوه، التفاصيل ونثر الحياة البسيط في أزقّة المدينة العتيقة، تبدو جميعها وكأنّها قد خرجت من نسيج روحه، حيث تحيا هناك، في جيب سرّي أو في عين داخليّة، بعيدا عن شرور حداثة مشوّهة تعصف بالهويّة وعناصرها من معمار ومن نمط حياة لا يزال يعاند كي يبقى.
ثمّة ما يشبه الرابط العضوي بين الفنّان مختار هنان وموضوعاته. فهو بشاكلة ما يشبه ما يرسمه: واضح، ممتلئ بألوانه الكثيفة والساطعة سطوع الضوء في هذا البلد. وهو في نفس الوقت يتّخذ مسافة ممّا يرسمه، فالمسافة تسمح للرؤية أن تتشكّل، وللزمن أن يواصل سيلانه وفعله في الروح. ما يتشوّه أو يضيع أو يتآكل، في الخارج، في الحياة الواقعيّة، يستعيد جماله ويُحفظ ويستعيد كماله وتوازنه، في الداخل، في قراره الروح، حيث حقيقته وجوهره، رحمه الحقيقي سواء كان هذا الرحم جماعيا: روح جماعة لها هويتها وطابعها الخاص، أو فرديّا: روح فنّان يصرّ على فرادته وعلى أصالته.
لا يحتاج مختار هنان أن يذهب بعيدا كي يلقط الجمال والبهاء. إنّهما، الجمال والبهاء، في متناول فرشاته ويده: امرأتان تعودان من السوق محمّلتين بقفّتين ثقيلتين وتمسكان بطرفي السفساري بطريقة مميّزة، وعلى وجهيهما يرتسم تعبير أليف غامض. لقد لمحتا شيئا ما، مشهدا أو شخصا أليفا. طفل يجلس على مصطبة في سبيل بالمدينة العتيقة كأنّه ينتظر أحدا أو لعلّه يرتاح كي يواصل لهوه أو طريقه. يسند الطفل ظهره إلى سارية القوس بينما يغيب رجل وامرأة في العمق. ثمّة تناظر بين القوس الكبير وبين القوس البعيد الذّي يوجد في العمق الذّي نفترض أنّه يحتوي على مشاهد أخرى من نفس هذه الروحيّة. اسكافيٌّ مستغرق في إصلاح حذاء. يبدو هذا الذي يحاول رتقه أو إصلاحه غير منفصل عنه كأنّه امتداد لجسده بينما تنتظر على طاولة وردية باهتة فردتا حذاء لا ندري إنّ تمّ إصلاحهما أمّا أنّهما تنتظران يده الصديقة. نفس الاستغراق في العمل ونفس النظرة نراهما لدى حرفي آخر انقرضت مهنته أو تكاد هو” رحّاي السكاكين”. رجله تدير الحجرة الدائريّة بينما تضغط يده على السكّين كي تستعيد مضاءها. ثمّة نوع من العتمة ومن كثافة الظل مزروعة في المشهد، كذلك نوع من السكون لن نسمع فيه إلا صوت حركة مرور السكّين على الحجرة الدائرية.
في لوحات المعرض الخمس والعشرين يُعيد عالم قديم مهدّد بالاندثار والزوال ولادته من جديد، يفاجئنا باكتناز ألوانه وروائحه وصخبه وسكونه و سواء كنّا داخل المدينة العتيقة أو في الطبيعة أو على قارعة الطريق يفيض من اللوحات إحساسٌ طاغ بأنّ كل شيء يشبه كل شيء. الجميع امتداد للجميع. معمار المدينة امتداد لناسها ولإيقاع حركاتهم. الوشم جزء وامتداد لوجوه النسوة. يد الحرفي امتداد لما يصنعه. السفساري غلاف وامتداد للجسد الدّي يلفّه. الزهرة في يد بائع الورد العجوز امتداد لجسده، وهو نفسه بين باقات ورده زهرة بريّة وهديّةٌ وجود بسيط كريم.
ويبدو الضوء هنا متناظرا مع العتمة ومع الظلال، ومعا يصنعان الايقاع: حركة ثمّ سكون أو سكون ثمّ حركة، امتلاء ثمّ فراغ أو فراغ ثمّ امتلاء. ويبدو في اللوحات أنّ الانسان لم يفقد انسانيته بعد، كما أنّ الطبيعة التي تحتويه تحتاجه وتحتاج وجوده. فالمركب الوحيد الفارغ على الشاطئ ينتظر الصيّاد الذّي تناديه أعماق البحر. هنا لا توجد حروب أو جراح وتمزّقات نفس مريضة شوّهها العصر وجعل منها ذوات لا قدرة لها على التواصل في عزلتها. هنا في هذه اللوحات حياةٌ ونبضٌ وامتلاءٌ وفاكهة ٌوضوءٌ ووعودٌ جميلةٌ وسلامٌ ولطفٌ وسحرٌ: ما أفسده الدهر من الممكن رتقه أو إصلاحه.
ولن يمسّ هذا العالم القديم سوء، طالما أنّ فرشاة شبيهة بفرشاة المختار هنان تعيده حيّا من جديد وتمدّه بأنفاس جديدة.
المغنية الاسبانية ” بيبي” على ركح مهرجان الحمامات الدولي: الموسيقى تجعلنا أكثر خفّة وبهجة
الصحافة اليوم: كمال الهلالي قالت المغنية الاسبانية ” بيبي” بف…
