2026-07-20

مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬2026-2030‭:‬ أرقام‭ ‬طموحة‭ ‬تنتظر‭ ‬إصلاحات‭ ‬جذرية

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬خالصة‭ ‬حمروني

صادق‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشعب،‭ ‬يوم‭ ‬10‭ ‬جويلية‭ ‬الجاري،‭ ‬على‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬2026-2030،‭ ‬ليلحق‭ ‬به‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للجهات‭ ‬والأقاليم‭ ‬بالمصادقة‭ ‬عليه‭ ‬مساء‭ ‬أول‭ ‬أمس‭ ‬الجمعة‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬للسياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬المقبلة‭. ‬ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬المخطط،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬حصيلة‭ ‬جلسات‭ ‬مارطونية‭ ‬من‭ ‬النقاشات‭ ‬وتبادل‭ ‬الأفكار،‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬اقتصادي‭ ‬دقيق،‭ ‬إذ‭ ‬تعاني‭ ‬تونس‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الصعوبات‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬تباطؤ‭ ‬في‭ ‬النمو،‭ ‬وديون‭ ‬خارجية‭ ‬وتذبذب‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬مؤشرات‭ ‬التنمية‭. ‬ورغم‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الصعوبات،‭ ‬حمل‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬أرقاما‭ ‬طموحة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬باعتباره‭ ‬يستهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬يناهز‭ ‬4.2‭ ‬بالمائة،‭ ‬مع‭ ‬خفض‭ ‬عجز‭ ‬الميزانية‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬3‭ ‬بالمائة،‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬المديونية‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬80‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬بحلول‭ ‬سنة‭ ‬2030‭. ‬كما‭ ‬يرمي‭ ‬المخطط‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬نسبة‭ ‬الفقر‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬بالمائة،‭ ‬والإرتقاء‭ ‬بمؤشر‭ ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬البلدان‭ ‬ذات‭ ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬المرتفعة‭ ‬جداً‭.‬

وفي‭ ‬المجال‭ ‬الطاقي،‭ ‬ينص‭ ‬المخطط‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬حصة‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬ضمن‭ ‬المزيج‭ ‬الطاقي‭ ‬إلى‭ ‬35‭ ‬بالمائة،‭ ‬وتحسين‭ ‬الكفاءة‭ ‬الطاقية‭ ‬عبر‭ ‬تقليص‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الأولية‭ ‬بنسبة‭ ‬30‭ ‬بالمائة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تجديد‭ ‬الشبكات‭ ‬والرفع‭ ‬من‭ ‬نسبة‭ ‬استغلال‭ ‬المياه‭ ‬المستعملة‭. ‬أما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬فقد‭ ‬بلغت‭ ‬قيمتها‭ ‬الإجمالية‭ ‬101.835‭ ‬ألف‭ ‬مليون‭ ‬دينار،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬35‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬بارتفاع‭ ‬نسبته‭ ‬25‭ ‬بالمائة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفترة‭ ‬التنموية‭ ‬السابقة‭.‬

تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬والبرامج‭ ‬جيدة،‭ ‬بل‭ ‬تنبئ‭ ‬باقتصاد‭ ‬واعد‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تحققت‭. ‬فمعدل‭ ‬نمو‭ ‬بـ4.2‭ ‬بالمائة‭ ‬ستكون‭ ‬ضعف‭ ‬المعدلات‭ ‬التي‭ ‬سجلتها‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيكعكس‭ ‬انتعاشة‭ ‬اقتصادية‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تنهض‭ ‬بالوضع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لان‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‭ ‬سيكون‭ ‬كفيلا‭ ‬بخلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬كافية‭ ‬لامتصاص‭ ‬البطالة‭ ‬وبالتالي‭ ‬ستتحسن‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬ثمة‭ ‬قطاع‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬البناء‭ ‬والادخار‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تخفيض‭ ‬عجز‭ ‬الميزانية‭ ‬إلى‭ ‬3‭ ‬بالمائة‭ ‬قد‭ ‬يمنح‭ ‬الدولة‭ ‬هامشاً‭ ‬أكبر‭ ‬لتمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬خاصة‭ ‬بالقطاعات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬الصحية‭ ‬والتعليم‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬تراجع‭ ‬نسبة‭ ‬الفقر‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬بالمائة‭ ‬سينهض‭ ‬بالجهات‭ ‬الداخلية‭ ‬اين‭ ‬يعيش‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬سكانها‭ ‬في‭ ‬فقر‭ ‬وخصاصة‭. ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬توزيع‭ ‬عادل‭ ‬للثروات‭ ‬والتنمية‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الطاقي،‭ ‬فإن‭ ‬رفع‭ ‬مساهمة‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬إلى‭ ‬35‭ ‬بالمائة‭ ‬سيساهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬فاتورة‭ ‬الطاقة‭ ‬المستوردة‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الميزانية،‭ ‬كما‭ ‬سيدعم‭ ‬تحول‭ ‬تونس‭ ‬نحو‭ ‬اقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭. ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف،‭ ‬لو‭ ‬تحققت،‭ ‬فستضع‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬تنموي‭ ‬متقدم،‭ ‬وسترفع‭ ‬من‭ ‬تنافسيتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

لكن‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر،‭ ‬حسب‭ ‬مراقبين‭ ‬ومختصين‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬وتحسنها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التنفيذ‭ ‬الفعلي‭. ‬

في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر،‭ ‬لا‭ ‬تبدوا‭ ‬الأرقام‭ ‬الوارداة‭ ‬في‭ ‬مخطط‭ ‬التنمية‭ ‬امستحيلة‭ ‬التحقيقب‭ ‬بقدر‭ ‬ماهي‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬المتناول‭ ‬وسهلة‭ ‬التحقيق‭ ‬اذا‭ ‬توفر‭ ‬الكثيرت‭ ‬من‭ ‬الإصلاحات‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭. ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإصلاحات‭ ‬نذكر‭ ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية‭ ‬وتقليص‭ ‬عدد‭ ‬المتدخلين‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬التراخيص‭ ‬لان‭ ‬ذلك‭ ‬تعدت‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬تعطل‭ ‬المشاريع‭ ‬وتأخر‭ ‬إنجازها‭ ‬لسنوات‭. ‬الوضع‭ ‬يتطلب‭ ‬أيضا‭ ‬إصلاح‭ ‬الإطار‭ ‬التشريعي‭ ‬المنظم‭ ‬للاستثمار،‭ ‬وتبسيط‭ ‬إجراءات‭ ‬بعث‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بهدف‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخاص‭ ‬الوطني‭ ‬والأجنبي،‭ ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضائقة‭ ‬المالية‭ ‬العمومية،‭ ‬لن‭ ‬تتمكن‭ ‬الدولة‭ ‬وحدها‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬استثمارات‭ ‬تناهز‭ ‬35‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

كما‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬تفعيل‭ ‬دور‭ ‬المجالس‭ ‬الجهوية‭ ‬والمحلية‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬حصر‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬ابداء‭ ‬الرأي‭ ‬والنقاشات‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬آليات‭ ‬صارمة‭ ‬للمحاسبة‭ ‬والمتابعة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬الإداري‭ ‬والمالي‭ ‬الذي‭ ‬يعيق‭ ‬إنجازت‭ ‬المشاريع‭ ‬وتقدمها‭.‬

هذا‭ ‬ويحتاج‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬الأهلية‭ ‬كأداة‭ ‬للتنمية‭ ‬المحلية،‭ ‬والذي‭ ‬يهدف‭ ‬المخطط‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬800‭ ‬شركة‭ ‬بحلول‭ ‬2030،‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬شروط‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬رافعة‭ ‬تنموية‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬إضافي‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬العمومية،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬

وحتى‭ ‬لا‭ ‬ينضم‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬إلى‭ ‬قائمة‭ ‬المخططات‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬أغلب‭ ‬وعودها‭ ‬حبراً‭ ‬على‭ ‬ورق،‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬من‭ ‬مواطن‭ ‬بسيط‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬السلطات،‭ ‬مطالبة‭ ‬بالعمل‭ ‬الجاد‭ ‬وتكاثف‭ ‬الجهود‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التخطيط‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التنفيذ‭ ‬الفعلي‭. ‬فكما‭ ‬قال‭ ‬وزير‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتخطيط،‭ ‬فإن‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمخطط‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬المشاريع‭ ‬إلى‭ ‬إنجازات‭ ‬ملموسة،‭ ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬كفيل‭ ‬بجعل‭ ‬الأرقام‭ ‬الطموحة‭ ‬حقيقة‭ ‬واقعة‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬وعود‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

تونس‭ ‬تؤمّن‭ ‬سداد‭ ‬ديونها‭ ‬الخارجية تأكيد‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬إلتزاماتها‭ ‬الخارجية

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬خالصة‭ ‬حمروني‭ ‬ نجحت‭ ‬تونس‭ ‬يوم‭ ‬15‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭ ‬في‭ ‬سداد‭ ‬…