تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج والسياحة: مكاسب تعزز احتياطي العملة الصعبة لكن لا تغني عن الموارد الذاتية
الصحافة اليوم : خالصة حمروني
في ظرف وجيز لا يتجاوز الأسبوعين، ارتفعت قيمة تحويلات التونسيين بالخارج من 4405.2 مليون دينار بتاريخ 30 جوان 2026 إلى 4745.2 مليون دينار بتاريخ 10 جويلية الجاري. وَفي الفترة ذاتها، ارتفعت مداخيل السياحة من 3352.4 مليون دينار إلى حدود 3681.1 مليون دينار.
وقد ساهم هذان القطاعان معا في دعم مخزون العملة الصعبة لدى البنك المركزي والتي بلغت في تاريخ 17 جويلية الجاري ما يعادل 22769.1 مليون دينار، مما يضمن للبلاد تغطية 90 يوماً من التوريد بعدما استقرت بتاريخ 3 جويلية الجاري في حدود 24539.6 مليون دينار أي ما يعادل 97 يوم توريد.
ويدرك المتابع للشأن الوطني، أهمية هذين القطاعين في دعم الاقتصاد باعتبارهما محركان أساسيان في تعديل كفة العرض والطلب في سوق الصرف المحلية، والحد من الضغوط التضخمية وخاصة في ضمان استقرار قيمة صرف الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية الرئيسية كاليورو والدولار. كما يساهم ارتفاع قيمتها المالية نوعا ما في تقليص عجز الميزان الجاري. الأمر الذي يسمح بخلاص الديون الخارجية والحد من الاقتراض. غير أنه في الفترة المذكورة، لم يمنع ارتفاع قيمة هذه الموارد من تسجيل تراجع في صافي الموجودات من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، حيث تراجع هذا المخزون كما هو مذكور سابقا من 97 يوم توريد في 3 جويلية إلى 90 يوماً فقط بحلول 17 من الشهر ذاته، وكأن الالتزامات الخارجية «تلتهم» ما تدرّه هذه المداخيل القياسية قبل أن يتحسن مستوى الاحتياطي ويحافظ على استقراره.
اقتصاديا، تؤكد الزيادة في تحويلات الجالية التونسية، التي تجاوزت نسبتها 5 بالمائة، وعي هذه الأخيرة (الجالية التونسية) بأهميته هذا القطاع ودوره المحوري في دعم موارد الدولة من جهة ومن جهة اخرى تعكس تمسكها بدورها الاجتماعي والاقتصادي في دعم عائداتها ماديا والمساهمة في استقرار العملة الوطنية. والأمر سيان بالنسبة الي العائدات السياحية التي قاربت 3.7 مليار دينار، إذ تعكس بدورها نجاعة السياسات الترويجية كوجهة سياحية واستعادة تونس لجاذبيتها واستقطابها لعدد كبير من السياح بعد سنوات من التراجع، كما تشير إلى تنامي ثقة السائح الأجنبي في الوجهة التونسية وارتفاع متوسط إنفاقه خلال الإقامة. وقد نجح هذان الموردان معاً في توفير عائدات تسمح بتغطية قرابة ثلاثة أشهر من الواردات. وهو مؤشر تطمئن له المؤسسات المالية الدولية ويُعتبر «مؤشر أمان نسبيا».
وفي حقيقة الأمر، تكشف الفجوة الموجودة بين تدفق العملة وتراجع مخزونها خللا واضحا في نفقات خزينة الدولة، إذ توجه أغلب مواردها لخلاص الديون الخارجية أو خلاص الأجور ودعم صندوق الدعم عوض توجييها إلى دعم الاستثمار والنهوض بواقع التنمية الجهوية. وبالتوازي مع ذلك، توضح هذه الأرقام أن موارد خزينة الدولة باتت تعتمد كثيرا على مردودية هذين القطاعين التي تبقى هي الأخرى رهينة عوامل خارجية.
فتحويلات الجالية تتأثر بأوضاع بلدان المقيمين وتقلبات اقتصادها، والعائدات السياحية سرعان ما تتأثر بالأحداث الجارية سواء على مستوى وطني أو عالمي الأمر الذي يجعل اعتماد الاقتصاد الوطني على كل من تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج والسياحة «امرا يتطلب إعادة النظر» والبحث عن بدائل أكثر مردودية وأكثر استقرارا على غرار دعم قطاع الصادرات والاستثمار في القطاعات الواعدة مثل الطاقات المتجددة.
ولأن الجميع يتفق على أن تحويلات التونسيين بالخارج والعائدات السياحية هما ركيزتان أساسيتان في دعم التوازنات المالية الخارجية وتوفير السيولة من العملة الصعبة، فمن الضروري المحافظة على مردوديتهما ودعمهما باجراءات تحسن مناخ الاستثمار السياحي وتعزيز ارتباط الجالية بوطنها وتشجيعها على توجيه جزء من مدخراتها نحو الاستثمار المنتج. كما أن الأمر يتطلب البحث عن بدائل أخرى لخزينة الدولة وتحسين مخزونها من العملة الصعبة. ومن الضروري أن تكون هذه البدائل في منأى عن الأحداث الخارجية، وترتكز أساسا على موارد ذاتية قائمة مثلا على الإنتاج الفلاحي وتصدير الفسفاط والاستثمار ورفع القيمة المضافة لقطاع الخدمات والتكنولوجيا لضمان موارد أكثر من العملة الصعبة. فكلما نجحت تونس في تنويع مصادر العملة الصعبة، كلما أصبحت احتياطاتها أكثر صلابة وقدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية أكبر، بما يضمن استقرار صرف الدينار ويعزز الثقة في الاقتصاد.
مخطط التنمية 2026-2030: أرقام طموحة تنتظر إصلاحات جذرية
الصحافة اليوم : خالصة حمروني صادق مجلس نواب الشعب، يوم 10 جويلية ال…
