لتشجيع التّجار على الانخراط في المسالك المنظمة: تسهيل الإجراءات وتخفيض الأداءات هي الحلّ الأنجع
الصحافة اليوم:
يلاحظ كل من يتجول في مختلف الأسواق من جنوب البلاد إلى شمالها أن البضائع المتأتية بشكل غير منظم موجودة في كل مكان حيث يتم عرض مختلف السلع من أجهزة التلفزيون الحديثة والهواتف الذكية والملابس والاجهزة المنزلية وغيرها من السلع التي يحتاجها التونسي في حياته اليومية.
ويتواصل هذا التدفق التجاري رغم الرقابة من قبل مختلف وحدات حراسة الحدود والديوانة بالمعابر ورغم تعقب شبكات التهريب، ويواجه هؤلاء مخاطر جمة لحماية الاقتصاد الوطني إلا أن السلع تواصل تسللها عبر طرق ملتوية لا تنتهي رغم تشديد الرقابة بالمعابر الحدودية.
ويفرض هذا الواقع ضرورة السؤال عن الأسباب التي تدفع التاجر لخوض هذه المخاطر كما وجب أن نتساءل عن العوامل التي تجعل الحلول الأمنية و الرقابية وحدها غير كافية للقضاء على ظاهرة التجارة الموازية و التي تغرق البلاد بشكل واضح.
يصطدم التاجر الذي يرغب في استيراد شحنة ملابس أو أجهزة اخرى بالطرق القانونية بجملة من الإجراءات الإدارية المعقدة حيث تمتد هذه المعاملات لوقت طويل و تتضاعف المعاناة جراء الأداءات الديوانية و الضرائب التي قد تتجاوز أحيانا قيمة السلعة الأصلية.
ويضع هذا الارتفاع غير المعقول للاداءات التاجر المبتدئ و المتوسط أمام خيارين ، إما الالتزام بالمسار القانوني الذي يضطره لرفع سعر السلعة النهائي لمستويات تعجز القدرة الشرائية للمواطن عن تحملها وإما اللجوء الى المسالك الموازية حيث ينخفض سعر التكلفة قليلا. كما أنّ الإجراءات المفروضة عليهم للانخراط في السوق المنظمة تثقل كاهلهم وبالتالي يتم دفع التجار نحو المسالك غير المنظمة هروبا من تكاليف المنظومة القانونية الحالية.
ويمثل هذا القطاع غير المنظم المصدر الأساسي لدخل آلاف العائلات في المناطق الحدودية وبقية المناطق الأخرى حيث تغيب المشاريع التنموية وفرص العمل ويرى الكثيرون في هذه التجارة شبكة أمان من الناحية الاجتماعية تمنع الانفجار الاجتماعي في عديد المناطق.
وفي المقابل يهدد استمرار هذا الوضع بانعكاسات خطيرة حيث تضعف التجارة الموازية المؤسسات المنظمة التي تدفع ضرائبها.
تغيير قواعد اللعبة
تؤكد القواعد الاقتصادية أن زيادة الضغوط و الضرائب على أي قطاع تزيد من انتعاش السوق السوداء نظرا لانخفاض الكلفة فيها. وبناء على هذه القاعدة وجب التساؤل عن أسباب تأخر الدولة في تغيير سياستها من حيث التعامل مع ملف التجارة الموازية، اذ يتطلب الإصلاح الانتقال من التركيز على الجانب الرقابي إلى إقرار إصلاح هيكلي للأنظمة الديوانية والإجراءات الاستيرادية.
وتتجسد خطوات هذا الإصلاح اساسا في تخفيض الأداءات الديوانية والضرائب إلى مستويات معقولة تجعل فارق السعر بين السلعة المهربة والمنظمة ضئيلا ولا يستحق المخاطرة مع ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية واعتماد نظام رقابي رقمي مرن يسهل دخول البضائع دون تعطيل للأنشطة التجارية.
الجميع رابح
لا شك أن التخفيض في الأداءات وتبسيط الاجراءات هما يُعدّ استثمارا ذكيا يضمن معادلة الربح لكل الأطراف وبذلك تستفيد الدولة من تدفق موارد مالية ضخمة ومستمرة لميزانيتها عبر ضرائب مخفضة يتم تجميعها عوض التركيز على الكلفة الأمنية دون عوائد ضريبية . وفي الوقت نفسه يعمل التاجر بشفافية بعيدا عن كابوس الملاحقات والمخاطرة وينخرط في النظام المالي والبنكي المنظم. كما يحصل المواطن المستهلك على سلعة خاضعة للمراقبة الصحية والتقنية وبسعر منافس عوض شراء بضائع مجهولة المصدر قد تهدد سلامته الصحية والمالية، لذلك يبقى فتح باب المسالك المنظمة عبر أداءات منخفضة و إجراءات سهلة الحل الوحيد الناجع من اجل تحويل الاقتصاد الموازي إلى داعم حقيقي للاقتصاد الوطني.
سامية جاءبالله
الملوّنات المحظورة في المواد الغذائية: سموم خفيّة وخطر يهدّد صحة أطفالنا
الصحافة اليوم: تمكن مؤخرا أعوان الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجا…
