2026-08-10

سهرة‭ ‬الفنان‭ ‬سامي‭ ‬يوسف‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬ مـوسـيـقـى‭ ‬تـتـجـاوز‭ ‬الـحـدود‭ ‬والأساليب

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬ريـم‭ ‬قيدوز‭ ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬حضور‭ ‬الفنان‭ ‬العالمي‭ ‬سامي‭ ‬يوسف‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الستين‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬مساء‭ ‬السبت‭ ‬غرة‭ ‬أوت‭ ‬2026‭ ‬مجرد‭ ‬محطة‭ ‬جديدة‭ ‬ضمن‭ ‬جولاته‭ ‬الفنية‭ ‬بل‭ ‬مناسبة‭ ‬لتقديم‭ ‬مشروع‭ ‬موسيقي‭ ‬ظل‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬لغة‭ ‬فنية‭ ‬تتجاوز‭ ‬التصنيفات‭ ‬التقليدية‭ ‬وتجمع‭ ‬بين‭ ‬المرجعيات‭ ‬الموسيقية‭ ‬المتعددة‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬واحدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬والروحي‭.‬

وجاء‭ ‬اختيار‭ ‬المسرح‭ ‬الأثري‭ ‬بقرطاج‭ ‬ليمنحه‭ ‬فضاء‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬طبيعته‭.. ‬فالمكان‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬إرثا‭ ‬حضاريا‭ ‬متنوعا‭ ‬احتضن‭ ‬عرضا‭ ‬يقوم‭ ‬بدوره‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬التلاقي‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الموسيقى‭ ‬أو‭ ‬اللغات‭ ‬أو‭ ‬الخلفيات‭ ‬الفنية‭ ‬للمشاركين‭.‬

ومنذ‭ ‬بداية‭ ‬السهرة‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬سامي‭ ‬يوسف‭ ‬لا‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬الصوتي‭ ‬وحده‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬تجربة‭ ‬موسيقية‭ ‬متكاملة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الأصوات‭ ‬مع‭ ‬التوزيع‭ ‬الأوركسترالي‭ ‬والإيقاعات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬مدارس‭ ‬موسيقية‭ ‬مختلفة‭. ‬فلا‭ ‬تحضر‭ ‬الموسيقى‭ ‬العربية‭ ‬باعتبارها‭ ‬مرجعا‭ ‬وحيدا‭ ‬لتتجاور‭ ‬مع‭ ‬الموسيقى‭ ‬الفارسية‭ ‬والكلاسيكية‭ ‬الغربية‭ ‬وإيقاعات‭ ‬المتوسط‭ ‬وآسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬موسيقية‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬توازنها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تبدو‭ ‬مجرد‭ ‬مزج‭ ‬بين‭ ‬أنماط‭ ‬متباعدة‭.‬

كما‭ ‬أسهمت‭ ‬مشاركة‭ ‬الفنانين‭ ‬المغربيين‭ ‬إسماعيل‭ ‬بوجية‭ ‬ونبيلة‭ ‬معان،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الفنان‭ ‬الإسباني‭ ‬إسرا‭ ‬مورو‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬العرض‭ ‬ليضيف‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬خصوصيته‭ ‬الفنية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬العمل‭ ‬وحدته‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬التجارب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬استعراض‭ ‬الاختلافات‭ ‬بينها‭.‬

ولم‭ ‬تغب‭ ‬تونس‭ ‬عن‭ ‬المشهد‭ ‬البصري‭ ‬حيث‭ ‬حضر‭ “‬المرقوم‭” ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬الركح‭ ‬بوصفه‭ ‬عنصرا‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الهوية‭ ‬البصرية‭ ‬للعرض‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬التظاهرة‭ ‬والمكان‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬ديكور‭ ‬منفصل‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬مكونات‭ ‬الفرجة‭.‬

وتفاعل‭ ‬الجمهور‭ ‬الحاضر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬شهرة‭ ‬سامي‭ ‬يوسف‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ “‬مدد‭” ‬و‭”‬حسبي‭ ‬ربي‭” ‬حيث‭ ‬رافق‭ ‬الفنان‭ ‬بالغناء‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬وهو‭ ‬تفاعل‭ ‬يعكس‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تحتفظ‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬لدى‭ ‬جمهور‭ ‬تابع‭ ‬تجربته‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬قدرة‭ ‬الفنان‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬صلته‭ ‬بجمهوره‭ ‬رغم‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬مشروعه‭ ‬الموسيقي‭.‬

وخصص‭ ‬سامي‭ ‬يوسف‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬مساحة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬تضامنه‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬مستحضرا‭ ‬المأساة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬واختار‭ ‬كلمات‭ ‬الشاعر‭ ‬الفلسطيني‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭: “‬ونحن‭ ‬نحب‭ ‬الحياة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استطعنا‭ ‬إليها‭ ‬سبيلا‭” ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الموسيقى‭ ‬والشعر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يردد‭ ‬الجمهور‭ ‬شعارات‭ ‬داعمة‭ ‬لفلسطين‭ ‬في‭ ‬تفاعل‭ ‬أضفى‭ ‬على‭ ‬العرض‭ ‬بعدا‭ ‬إنسانيا‭ ‬واضحا‭.‬

وتكشف‭ ‬تجربة‭ ‬سامي‭ ‬يوسف‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬فني‭ ‬عرف‭ ‬تطورا‭ ‬متواصلا‭ ‬فمن‭ ‬الأغنية‭ ‬الروحية‭ ‬التي‭ ‬ارتبط‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬بداياته‭ ‬انتقل‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحا‭ ‬على‭ ‬الموسيقى‭ ‬العالمية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬المرجعية‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬الحوار‭ ‬والسلام‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬المعنى،‭ ‬لذلك‭ ‬تبدو‭ ‬أعماله‭ ‬امتدادا‭ ‬لبعضها‭ ‬البعض‭ ‬لا‭ ‬قطيعة‭ ‬بينها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬مشروعه‭ ‬قدرا‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬الفني‭ ‬رغم‭ ‬تنوع‭ ‬مصادره‭ ‬الموسيقية‭.‬

كما‭ ‬جاءت‭ ‬السينوغرافيا‭ ‬والإضاءة‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬المبالغة‭ ‬البصرية‭ ‬لترافق‭ ‬الموسيقى‭ ‬وتمنحها‭ ‬بعدا‭ ‬بصريا‭ ‬متوازنا‭ ‬بينما‭ ‬حافظ‭ ‬العرض‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬هادئ‭ ‬يفسح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الكلمة‭ ‬واللحن‭ ‬ليشكلا‭ ‬معا‭ ‬جوهر‭ ‬التجربة‭.‬

وفي‭ ‬سهرة‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬أكد‭ ‬سامي‭ ‬يوسف‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬خصوصية‭ ‬مشروعه‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الموسيقى‭ ‬الشرقية‭ ‬والغربية‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬خطاب‭ ‬موسيقي‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬والثقافية،‭ ‬ويمنح‭ ‬الأولوية‭ ‬للإنسان‭ ‬باعتباره‭ ‬نقطة‭ ‬الالتقاء‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬اللغات‭ ‬والهويات،‭ ‬وهي‭ ‬رؤية‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬عرضه‭ ‬تجربة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬موسيقية‭ ‬لقيم‭ ‬الحوار‭ ‬والانفتاح‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬عرض‭ ‬غنائي‭ ‬تقليدي‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

في مهرجان فينيسا السينمائي الدولي كوثر بن هنية عضوة في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية

الصحافة اليوم :ريـم قيدوز مع كل دورة جديدة لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي تتجدد ملامح ال…