2026-08-12

تونس‭ ‬الثالثة‭ ‬عربيًا‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭:‬ تصنيف‭ ‬دولي‭ ‬يعكس‭ ‬المكاسب‭.. ‬ويفرض‭ ‬مواصلة‭ ‬مسار‭ ‬الإصلاح

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عواطف‭ ‬السويدي

حققت‭ ‬تونس‭ ‬تقدّمًا‭ ‬جديدًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المؤشرات‭ ‬الدولية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حلّت‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الثالثة‭ ‬عربيًا‭ ‬والـ49‭ ‬عالميًا‭ ‬في‭ ‬تصنيف‭ ‬أفضل‭ ‬أنظمة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬لسنة‭ ‬2025‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬مجلة‭ ‬CEOWORLD،‭ ‬لتتصدر‭ ‬دول‭ ‬المغرب‭ ‬العربي،‭ ‬متقدمة‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬مثل‭ ‬لبنان‭ ‬والبحرين‭ ‬والأردن‭. ‬ويستند‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬منظومات‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬110‭ ‬دول‭ ‬وفق‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتوفر‭ ‬الأدوية‭ ‬وكلفتها،‭ ‬وجودة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬الصحية،‭ ‬وكفاءة‭ ‬الإطارات‭ ‬الطبية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬جاهزية‭ ‬الحوكمة‭ ‬الصحية‭.‬

ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬الترتيب‭ ‬اعترافًا‭ ‬دوليًا‭ ‬بما‭ ‬راكمته‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬عقود‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭ ‬والتكوين‭ ‬الطبي،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬التونسية‭ ‬ظلت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬المنظومات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بفضل‭ ‬انتشار‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاستشفائية،‭ ‬وجودة‭ ‬تكوين‭ ‬الإطارات‭ ‬الطبية‭ ‬وشبه‭ ‬الطبية،‭ ‬والسمعة‭ ‬التي‭ ‬يحظى‭ ‬بها‭ ‬الأطباء‭ ‬التونسيون‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭ ‬وخارجها‭. ‬كما‭ ‬رسخت‭ ‬تونس‭ ‬مكانتها‭ ‬كوجهة‭ ‬للعلاج‭ ‬والاستشفاء‭ ‬بالنسبة‭ ‬لآلاف‭ ‬المرضى‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬إفريقية‭ ‬وعربية،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬خبرة‭ ‬طبية‭ ‬معترف‭ ‬بها‭ ‬وتكاليف‭ ‬علاج‭ ‬تبقى‭ ‬تنافسية‭ ‬مقارنة‭ ‬بعديد‭ ‬الدول‭.‬

ويعتمد‭ ‬تصنيف‭ ‬هذه‭ ‬المجلة‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬أساسية،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬توفر‭ ‬الأدوية‭ ‬وأسعارها،‭ ‬وجودة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الطبية‭ ‬والكفاءات‭ ‬البشرية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬جاهزية‭ ‬الحكومة‭ ‬وفاعلية‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬حصلت‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬39.37‭ ‬نقطة،‭ ‬فيما‭ ‬جاءت‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬عربيًا،‭ ‬تلتها‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬ثم‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬الثالث‭ ‬عربيًا‭ ‬والأول‭ ‬مغاربيًا‭.‬

كما‭ ‬تشهد‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬توجهاً‭ ‬متزايداً‭ ‬نحو‭ ‬رقمنة‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬بهدف‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬وتقريبها‭ ‬من‭ ‬المواطن‭. ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬تطوير‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬لحجز‭ ‬المواعيد،‭ ‬وإرساء‭ ‬الملف‭ ‬الطبي‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬وتعزيز‭ ‬خدمات‭ ‬الطب‭ ‬عن‭ ‬بُعد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رقمنة‭ ‬إدارة‭ ‬المستشفيات‭ ‬وسلاسل‭ ‬التزويد‭ ‬بالأدوية‭. ‬

تحديات‭ ‬هيكلية‭ ‬

ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز،‭ ‬فإن‭ ‬القراءة‭ ‬الموضوعية‭ ‬للتصنيف‭ ‬تستوجب‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المؤشرات‭ ‬الدولية‭ ‬والواقع‭ ‬اليومي‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬المواطن‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬العمومية‭. ‬فالقطاع‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬يواجه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬تحديات‭ ‬متراكمة،‭ ‬أبرزها‭ ‬نقص‭ ‬بعض‭ ‬الأدوية،‭ ‬والضغط‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬المستشفيات‭ ‬العمومية،‭ ‬والتفاوت‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬بين‭ ‬الجهات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬هجرة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬والإطارات‭ ‬الصحية‭ ‬نحو‭ ‬الخارج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭.‬

فقد‭ ‬أثارت‭ ‬الزيادة‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأدوية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعاً،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬مراجعة‭ ‬أسعار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬300‭ ‬دواء،‭ ‬وسط‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬انعكاسها‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمرضى،‭ ‬ولاسيما‭ ‬المصابين‭ ‬بالأمراض‭ ‬المزمنة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تؤكد‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬أن‭ ‬الزيادة‭ ‬شملت‭ ‬عدداً‭ ‬محدوداً‭ ‬من‭ ‬الأدوية‭ ‬المستوردة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُراجع‭ ‬أسعارها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وأن‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬ضمان‭ ‬تواصل‭ ‬التزود‭ ‬وتفادي‭ ‬النقص،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التوريد‭ ‬وتراكم‭ ‬ديون‭ ‬الصيدلية‭ ‬المركزية‭.‬

كما‭ ‬يواجه‭ ‬القطاع‭ ‬تحديات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتمويل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬وتجديد‭ ‬التجهيزات‭ ‬الطبية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬طول‭ ‬آجال‭ ‬المواعيد‭ ‬الطبية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاختصاصات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬وتطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬من‭ ‬أولويات‭ ‬الإصلاح‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

كما‭ ‬تبرز‭ ‬الفوارق‭ ‬الجهوية‭ ‬كأحد‭ ‬أبرز‭ ‬الإشكاليات،‭ ‬إذ‭ ‬تتركز‭ ‬أغلب‭ ‬المصحات‭ ‬والعيادات‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الساحلية،‭ ‬مقابل‭ ‬استمرار‭ ‬نقص‭ ‬التجهيزات‭ ‬والإطارات‭ ‬الطبية‭ ‬والاختصاصات‭ ‬الدقيقة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬ولايات‭ ‬الداخل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المرضى‭ ‬إلى‭ ‬التنقل‭ ‬نحو‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬العلاج‭.‬

وتواجه‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬كذلك‭ ‬نزيفًا‭ ‬متواصلاً‭ ‬في‭ ‬الكفاءات‭ ‬الطبية‭ ‬وشبه‭ ‬الطبية‭ ‬نتيجة‭ ‬تزايد‭ ‬هجرة‭ ‬الأطباء‭ ‬والممرضين‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬ظروف‭ ‬عمل‭ ‬وأجور‭ ‬أفضل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التأطير‭ ‬داخل‭ ‬المستشفيات‭ ‬العمومية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاختصاصات‭ ‬الحساسة‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يفرض‭ ‬التحول‭ ‬الديموغرافي‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬القطاع،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬وتزايد‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة،‭ ‬بما‭ ‬يستوجب‭ ‬تطوير‭ ‬خدمات‭ ‬طب‭ ‬الشيخوخة‭ ‬والرعاية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬وتعزيز‭ ‬الطب‭ ‬الوقائي‭.‬

كما‭ ‬باتت‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬مطالبة‭ ‬بمواكبة‭ ‬التحديات‭ ‬المستجدة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬الصحية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬منظومة‭ ‬الأمن‭ ‬الصحي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تسريع‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬وتوسيع‭ ‬خدمات‭ ‬الصحة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والطب‭ ‬عن‭ ‬بعد،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬وتقريبها‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬سيوفر‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬فرصة‭ ‬لتونس‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬تثمين‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الكفاءات‭ ‬الطبية،‭ ‬والصناعات‭ ‬الدوائية‭ ‬الوطنية،‭ ‬والخبرة‭ ‬المتراكمة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاختصاصات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدعم‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬ويعزز‭ ‬مكانة‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السياحة‭ ‬العلاجية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المنافسة‭ ‬الإقليمية‭ ‬المتزايدة‭.‬

ويبقى‭ ‬هذا‭ ‬الترتيب‭ ‬الدولي‭ ‬مؤشرًا‭ ‬إيجابيًا‭ ‬يعكس‭ ‬مكانة‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مواصلة‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الهيكلية‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية،‭ ‬حتى‭ ‬ينعكس‭ ‬هذا‭ ‬التميز‭ ‬في‭ ‬المؤشرات‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬يتلقاها‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جهات‭ ‬البلاد،‭ ‬ويترجم‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬الحق‭ ‬الدستوري‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬والعلاج‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

دفع‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬الأولويات‭:‬ بين‭ ‬الإصلاحات‭ ‬المنتظرة‭ ‬ورهان‭ ‬تعبئة‭ ‬الموارد‭ ‬الوطنية

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عواطف‭ ‬السويدي يُعدّ‭ ‬الاستثمار‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المحركات‭ ‬الأساسية‭ ‬ل…