تونس الثالثة عربيًا في الرعاية الصحية: تصنيف دولي يعكس المكاسب.. ويفرض مواصلة مسار الإصلاح
الصحافة اليوم: عواطف السويدي
حققت تونس تقدّمًا جديدًا على مستوى المؤشرات الدولية بعد أن حلّت في المرتبة الثالثة عربيًا والـ49 عالميًا في تصنيف أفضل أنظمة الرعاية الصحية لسنة 2025 الصادر عن مجلة CEOWORLD، لتتصدر دول المغرب العربي، متقدمة على عدد من الدول العربية مثل لبنان والبحرين والأردن. ويستند هذا التصنيف إلى تقييم منظومات الصحة في 110 دول وفق مجموعة من المؤشرات المتعلقة بتوفر الأدوية وكلفتها، وجودة البنية التحتية والخدمات الصحية، وكفاءة الإطارات الطبية، إلى جانب جاهزية الحوكمة الصحية.
ويمثل هذا الترتيب اعترافًا دوليًا بما راكمته تونس على امتداد عقود في مجال الصحة العمومية والتكوين الطبي، خاصة أن المنظومة الصحية التونسية ظلت من بين أبرز المنظومات في المنطقة بفضل انتشار المؤسسات الاستشفائية، وجودة تكوين الإطارات الطبية وشبه الطبية، والسمعة التي يحظى بها الأطباء التونسيون داخل البلاد وخارجها. كما رسخت تونس مكانتها كوجهة للعلاج والاستشفاء بالنسبة لآلاف المرضى القادمين من دول إفريقية وعربية، مستفيدة من خبرة طبية معترف بها وتكاليف علاج تبقى تنافسية مقارنة بعديد الدول.
ويعتمد تصنيف هذه المجلة على ثلاثة محاور أساسية، تتمثل في مدى توفر الأدوية وأسعارها، وجودة البنية التحتية الطبية والكفاءات البشرية، إضافة إلى جاهزية الحكومة وفاعلية الحوكمة في إدارة القطاع الصحي. وفي هذا السياق، حصلت تونس على 39.37 نقطة، فيما جاءت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الأولى عربيًا، تلتها المملكة العربية السعودية، ثم تونس في المركز الثالث عربيًا والأول مغاربيًا.
كما تشهد تونس خلال السنوات الأخيرة توجهاً متزايداً نحو رقمنة قطاع الصحة بهدف تحسين جودة الخدمات وتقريبها من المواطن. وتشمل هذه الجهود تطوير المنصات الرقمية لحجز المواعيد، وإرساء الملف الطبي الإلكتروني، وتعزيز خدمات الطب عن بُعد، إلى جانب رقمنة إدارة المستشفيات وسلاسل التزويد بالأدوية.
تحديات هيكلية
ورغم أهمية هذا الإنجاز، فإن القراءة الموضوعية للتصنيف تستوجب التمييز بين المؤشرات الدولية والواقع اليومي الذي يعيشه المواطن داخل المؤسسات الصحية العمومية. فالقطاع الصحي في تونس يواجه منذ سنوات تحديات متراكمة، أبرزها نقص بعض الأدوية، والضغط الكبير على المستشفيات العمومية، والتفاوت في جودة الخدمات الصحية بين الجهات، إلى جانب هجرة عدد من الأطباء والإطارات الصحية نحو الخارج، وهو ما انعكس على الموارد البشرية داخل المنظومة الصحية.
فقد أثارت الزيادة الأخيرة في أسعار عدد من الأدوية في تونس جدلاً واسعاً، خاصة بعد الإعلان عن مراجعة أسعار أكثر من 300 دواء، وسط مخاوف من انعكاسها على القدرة الشرائية للمرضى، ولاسيما المصابين بالأمراض المزمنة. وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الزيادة شملت عدداً محدوداً من الأدوية المستوردة التي لم تُراجع أسعارها منذ سنوات، وأن الهدف منها هو ضمان تواصل التزود وتفادي النقص، في ظل ارتفاع كلفة التوريد وتراكم ديون الصيدلية المركزية.
كما يواجه القطاع تحديات مرتبطة بتمويل المؤسسات الصحية وتجديد التجهيزات الطبية، فضلاً عن طول آجال المواعيد الطبية في عدد من الاختصاصات، وهو ما يجعل تحسين جودة الخدمات وتطوير البنية التحتية من أولويات الإصلاح خلال السنوات المقبلة.
كما تبرز الفوارق الجهوية كأحد أبرز الإشكاليات، إذ تتركز أغلب المصحات والعيادات الخاصة في المناطق الساحلية، مقابل استمرار نقص التجهيزات والإطارات الطبية والاختصاصات الدقيقة في عدد من ولايات الداخل، وهو ما يدفع العديد من المرضى إلى التنقل نحو المدن الكبرى للحصول على العلاج.
وتواجه المنظومة الصحية كذلك نزيفًا متواصلاً في الكفاءات الطبية وشبه الطبية نتيجة تزايد هجرة الأطباء والممرضين إلى الخارج بحثًا عن ظروف عمل وأجور أفضل، وهو ما انعكس على مستوى التأطير داخل المستشفيات العمومية، خاصة في بعض الاختصاصات الحساسة.
ومن جهة أخرى، يفرض التحول الديموغرافي تحديات جديدة على القطاع، مع ارتفاع نسبة كبار السن وتزايد الأمراض المزمنة، بما يستوجب تطوير خدمات طب الشيخوخة والرعاية طويلة المدى وتعزيز الطب الوقائي.
كما باتت المنظومة الصحية مطالبة بمواكبة التحديات المستجدة، وفي مقدمتها التغيرات المناخية وتأثيراتها الصحية، وتعزيز منظومة الأمن الصحي، إلى جانب تسريع التحول الرقمي وتوسيع خدمات الصحة الإلكترونية والطب عن بعد، بما يضمن تحسين جودة الخدمات وتقريبها من المواطنين في مختلف الجهات.
في المقابل، سيوفر هذا التصنيف فرصة لتونس من اجل تثمين نقاط القوة التي تمتلكها وفي مقدمتها الكفاءات الطبية، والصناعات الدوائية الوطنية، والخبرة المتراكمة في بعض الاختصاصات الدقيقة، بما يمكن أن يدعم الاستثمار في قطاع الصحة ويعزز مكانة البلاد في مجال السياحة العلاجية، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية المتزايدة.
ويبقى هذا الترتيب الدولي مؤشرًا إيجابيًا يعكس مكانة تونس على المستوى الإقليمي، لكنه لا يلغي الحاجة إلى مواصلة الإصلاحات الهيكلية داخل المنظومة الصحية، حتى ينعكس هذا التميز في المؤشرات الدولية على جودة الخدمات التي يتلقاها المواطن في مختلف جهات البلاد، ويترجم إلى تحسين فعلي في الحق الدستوري في الصحة والعلاج.
دفع الاستثمار في صدارة الأولويات: بين الإصلاحات المنتظرة ورهان تعبئة الموارد الوطنية
الصحافة اليوم: عواطف السويدي يُعدّ الاستثمار أحد أهم المحركات الأساسية ل…
