2026-08-15

حيـن‭ ‬يلـتقـي‭ ‬واقـع‭ ‬الـشـبـاب‭ ‬بذاكـرة‭ ‬المـكـان

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬ريـم‭ ‬قيدوز

انطلقت‭ ‬مساء‭ ‬السبت‭ ‬8‭ ‬أوت‭ ‬2026‭ ‬فعاليات‭ ‬الدورة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬سبيطلة‭ ‬الدولي‭ ‬للراب‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬جديدة‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬إدراج‭ ‬موسيقى‭ ‬الراب‭ ‬ضمن‭ ‬المشهد‭ ‬المهرجاني‭ ‬في‭ ‬الجهات،‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬المواهب‭ ‬الشابة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬تونسية‭ ‬ودولية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬الموسيقي‭.‬

اختارت‭ ‬ادارة‭ ‬المهرجان‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬البداية‭ ‬بأصوات‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬حيث‭ ‬اعتلى‭ ‬الفنانان‭ ‬الشابان‭ ‬حبيب‭ ‬وسيف‭ ‬ركح‭ ‬المسرح‭ ‬الأثري‭ ‬بسبيطلة‭ ‬وقدما‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬أعمالهما‭ ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬محلي‭ ‬تفاعل‭ ‬مع‭ ‬تجربتيهما،‭ ‬وكان‭ ‬منح‭ ‬أبناء‭ ‬الجهة‭ ‬فرصة‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬الدورة‭ ‬خيارا‭ ‬يحمل‭ ‬دلالة‭ ‬واضحة‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬مهرجان‭ ‬جديد‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الأسماء‭ ‬المعروفة‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضا‭ ‬إتاحة‭ ‬مساحة‭ ‬للفنانين‭ ‬الشباب‭ ‬لتقديم‭ ‬تجاربهم‭ ‬واختبار‭ ‬حضورهم‭ ‬أمام‭ ‬الجمهور‭.‬

وفي‭ ‬اختيار‭ ‬الراب‭ ‬تحديدا‭ ‬يبدو‭ ‬المهرجان‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬للاقتراب‭ ‬من‭ ‬موسيقى‭ ‬ارتبطت‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭ ‬بالشارع‭ ‬واليومي‭ ‬وبالأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬اكتسب‭ ‬وضع‭ ‬هذه‭ ‬الموسيقى‭ ‬داخل‭ ‬المسرح‭ ‬الأثري‭ ‬بسبيطلة‭ ‬بعدا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الجانب‭ ‬الاحتفالي‭  ‬ليلتقي‭ ‬بفضاء‭ ‬يحمل‭ ‬ذاكرة‭ ‬تاريخية‭ ‬بتعبير‭ ‬فني‭ ‬معاصر‭ ‬فرض‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الموسيقي‭ ‬التونسي‭ ‬والعربي‭.‬

بعد‭ ‬الفنانين‭ ‬الشابين‭ ‬اعتلى‭ ‬بلطي‭ ‬الركح‭ ‬ليقود‭ ‬الجزء‭ ‬الرئيسي‭ ‬من‭ ‬السهرة‭ ‬أمام‭ ‬حضور‭ ‬جماهيري‭ ‬غفير،‭ ‬وقدم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أعماله‭ ‬مراوحا‭ ‬بين‭ ‬القديم‭ ‬والجديد‭  ‬من‭ ‬بينها‭ “‬ألو‭” ‬و‭”‬يا‭ ‬حسرة‭” ‬و‭” ‬ماما‭” ‬و‭”‬كلاندستينو‭” ‬و‭” ‬يا‭ ‬ليلي‭” ‬و‭”‬صاحبك‭ ‬راجل‭” ‬وسط‭ ‬تفاعل‭ ‬متواصل‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬ردد‭ ‬معه‭ ‬مقاطع‭ ‬من‭ ‬أغانيه‭ ‬وتابع‭ ‬العرض‭ ‬بالغناء‭ ‬والتصفيق‭ ‬والرقص‭.‬

ولعل‭ ‬حضور‭ ‬بلطي‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬مهرجان‭ ‬مخصص‭ ‬للراب‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬شهرته‭ ‬الجماهيرية‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬راكمها‭ ‬خلال‭ ‬مسيرته،‭ ‬فهو‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬وعن‭ ‬الواقع،‭ ‬ويستمد‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬موضوعاته‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬ومن‭ ‬أسئلة‭ ‬الشباب‭ ‬ومشاغلهم‭ ‬وأحلامهم‭. ‬في‭ ‬أغانيه‭ ‬تحضر‭ “‬الحومة‭” ‬وأبناؤها،‭ ‬كما‭ ‬تحضر‭ ‬علاقة‭ ‬الأجيال‭ ‬وتطلعاتها‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬صورة‭ ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬ابنها‭ ‬وطموحه‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬لها‭.‬

هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بالواقع‭ ‬كانت‭ ‬إحدى‭ ‬نقاط‭ ‬قوة‭ ‬تجربته‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الراب‭ ‬باعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬إيقاع‭ ‬أو‭ ‬شكل‭ ‬موسيقي‭ ‬بل‭ ‬وجده‭ ‬مساحة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬قصص‭ ‬وشخصيات‭ ‬وأحلام‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬وربما‭ ‬يفسر‭ ‬ذلك‭ ‬جانبا‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬شرائح‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المستمعين‭ ‬وتحقيق‭ ‬شهرة‭ ‬كبيرة‭ ‬داخل‭ ‬تونس‭ ‬وخارجها‭ ‬بفضل‭ ‬أعمال‭ ‬غنائية‭ ‬وجدت‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬وتحولت‭ ‬بعض‭ ‬عناوينها‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الموسيقية‭ ‬لجيل‭ ‬كامل‭.‬

و‭ ‬لم‭ ‬يعتمد‭ ‬بلطي‭ ‬على‭ ‬الأغنية‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السهرة‭ ‬بل‭ ‬اشتغل‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الركحية‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬إلى‭ ‬الإضاءة‭ ‬والحركة‭ ‬والكوريغرافيا‭ ‬التي‭ ‬أشرفت‭ ‬عليها‭ ‬مريم‭ ‬قرقوري‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬لوحات‭ ‬راقصة‭ ‬تفاعلت‭ ‬مع‭ ‬إيقاع‭ ‬الأغاني‭ ‬وتحولاتها‭ ‬بما‭ ‬جعل‭ ‬الحركة‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الأداء‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬مرافقة‭ ‬له‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬بدا‭ ‬بلطي‭ ‬حاضرا‭ ‬داخل‭ ‬البناء‭ ‬الركحي‭ ‬بعفوية‭ ‬متفاعلا‭ ‬مع‭ ‬الراقصين‭ ‬والجمهور،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬العرض‭ ‬بعدا‭ ‬جماعيا‭ ‬تجاوز‭ ‬فكرة‭ ‬تقديم‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬المعروفة‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬بناء‭ ‬فرجة‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬المسرح‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬لحظات‭ ‬السهرة‭ ‬مشاركة‭ ‬الفنان‭ ‬حمودة‭ ‬بلطي‭ ‬أداء‭ ‬أغنية‭ “‬يا‭ ‬ليلي‭” ‬حيث‭ ‬انخرط‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬ترديد‭ ‬كلماتها‭ ‬مع‭ ‬الفنانين‭ ‬لتتحول‭ ‬الأغنية‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬تواصل‭ ‬مباشر‭ ‬بين‭ ‬الركح‭ ‬والمتابعين‭.‬

وكشف‭ ‬بلطيفي‭ ‬تصريح‭ ‬صحفي‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬مشاريعه‭ ‬المقبلة‭ ‬اثر‭ ‬انتهاء‭ ‬العرض‭ ‬معلنا‭ ‬عن‭ ‬تعاون‭ ‬فني‭ ‬مرتقب‭ ‬مع‭ ‬الفنان‭ ‬آدم‭ ‬والفنان‭ ‬المصري‭ ‬محمد‭ ‬منير‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تحضيره‭ ‬لألبوم‭ ‬جديد‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬النور‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬جولاته‭ ‬الصيفية‭. ‬

و‭ ‬يطرح‭ ‬اختيار‭ ‬مدينة‭ ‬سبيطلة‭ ‬لاحتضان‭ ‬الدورة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬المهرجان‭ ‬لما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬رصيد‭ ‬أثري‭ ‬وثقافي‭ ‬و‭ ‬فكرة‭ ‬التعايش‭ ‬بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والتعبير‭ ‬الفني‭ ‬المعاصر‭. ‬فالمسرح‭ ‬الأثري‭ ‬الذي‭ ‬احتضن‭ ‬أصوات‭ ‬الراب‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬المهرجان‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬فضاء‭ ‬للعرض‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬نقطة‭ ‬لقاء‭ ‬بين‭ ‬تاريخ‭ ‬المكان‭ ‬وموسيقى‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الحاضر‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬التظاهرة‭ ‬خصوصيتها‭ ‬ويضعها‭ ‬أمام‭ ‬تحدي‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬دوراتها‭ ‬المقبلة‭.‬

وتتواصل‭ ‬فعاليات‭ ‬المهرجان‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬14‭ ‬أوت‭ ‬2026،‭ ‬ببرنامج‭ ‬يجمع‭ ‬أسماء‭ ‬تونسية‭ ‬ودولية‭ ‬في‭ ‬الراب،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬Didine Canon‭ ‬وأرماستا‭ ‬وLazaro‭ ‬وجنجون‭ ‬وFBK‭ ‬وAltaf‭ ‬ونوردو،‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬أولى‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تثبيت‭ ‬موعد‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬الراب،‭ ‬ودعم‭ ‬تنوع‭ ‬المشهد‭ ‬الموسيقي‭ ‬وربط‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬الجهات‭ ‬بتجارب‭ ‬فنية‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الحاضر‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

النجمة‭ ‬العالمية‭ ‬ويتني‭ ‬هيوستن إرث‭ ‬فــنـي‭ ‬يتـجـدد‭ ‬بـعـد‭ ‬الـرحـيـــل

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬ريم‭ ‬قيدوز بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬14عاما‭ ‬على‭ ‬رحيلها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ويتن…