الزيادة في الأجور في تونس: ضرورة اجتماعية تفرضها الظروف المعيشية
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
في ظلّ التحوّلات الاقتصادية المتسارعة التي تعيشها تونس خلال السنوات الأخيرة، تعود مسألة الزيادة في الأجور إلى واجهة النقاش العام بقوة، مدفوعة بارتفاع في كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لفئات واسعة من الموظفين.
فقد شهدت الأسعار في تونس نسقًا تصاعديًا لافتًا، شمل المواد الغذائية الأساسية، والطاقة، والخدمات، وحتى الإيجار وهذا الارتفاع المتواصل خلق فجوة واضحة بين الدخل الشهري للموظف ومصاريفه اليومية، ما جعل العديد من العائلات عاجزة عن المحافظة على نفس مستوى العيش.
في هذا السياق، تبرز الزيادة في الأجور كآلية مباشرة لتحسين القدرة الشرائية، إذ تمكّن الموظف من مجاراة نسبيّة لنسق الغلاء. غير أنّ هذه الزيادة، في نظر خبراء الاقتصاد، لا يمكن أن تكون حلًا سحريًا إذا لم تترافق مع إصلاحات هيكلية تشمل التحكم في الأسعار، ودعم الإنتاج، وتحسين مناخ الاستثمار. فرفع الأجور دون إنتاجية موازية قد يؤدي إلى تغذية التضخم، ما يعيد المشكلة إلى نقطة الصفر.
من جهة أخرى، يرى ممثلو الشغالين أن الوضع الحالي لم يعد يحتمل التأجيل، وأن أي حديث عن التوازنات المالية يجب ألا يكون على حساب الاستقرار الاجتماعي. ويؤكدون على أن الزيادات السابقة لم تعد كافية أمام التضخم المتسارع، مشيرين إلى أن الأجر الحقيقي (أي بعد احتساب التضخم) شهد تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة.
أما بخصوص نسبة الزيادة المنتظرة، فتتراوح تطلعات الموظفينروفق تقديرات غير رسمية بين 6.5 % و 7 % للسنة الواحدة كحد أدنى، حتى تكون ذات أثر ملموس على القدرة الشرائية. ويرى كثيرون أن أي زيادة تقلّ عن هذا السقف لن تحقق الغاية المرجوة، بل ستكون مجرّد إجراء ظرفي لا يواكب الارتفاع الفعلي للأسعار. في المقابل، تميل بعض المقاربات الحكومية إلى اقتراح زيادات تدريجية أو مجزّأة، تأخذ بعين الاعتبار إمكانيات الميزانية العامة، خاصة في ظل الضغوط المالية والالتزامات الدولية.
وتطرح هذه الوضعية إشكالية التوازن بين البعد الاجتماعي والاقتصادي. فالدولة مطالبة من جهة بحماية الفئات الضعيفة وضمان حدّ أدنى من العيش الكريم، ومن جهة أخرى بالحفاظ على استقرار المالية العمومية وتفادي الانزلاق نحو مزيد من العجز والتداين. كما أن المؤسسات الخاصة بدورها تجد نفسها أمام معادلة صعبة، بين الاستجابة لمطالب الأجراء والمحافظة على ديمومتها في سوق تنافسية.
كما تبدو الزيادة في الأجور في تونس اليوم أكثر من مجرد مطلب نقابي حيث أنها عنوان لمرحلة اقتصادية واجتماعية دقيقة تتطلب حلولًا شاملة ومتوازنة. فنجاح أي تعديل في الأجور يظلّ رهين رؤية إصلاحية أوسع، تضمن تحسين الإنتاجية، ومقاومة الاحتكار، ودعم القدرة التنافسية للاقتصاد.
ينتظر تدشينه السنة القادمة: مشروع الطريق السيارة تونس – جلمة يتقدم بنسبة 38 %
يشهد مشروع الطريق السيارة الرابط بين تونس العاصمة وجلمة بولاية سيدي بوزيد تقدماً ملحوظاً، …

