حين تدافع تونس عن التربة… فإنها تدافع عن مستقبلها
الصحافة اليوم : عادل البرينصي
ليس التصحر مجرد زحف للرمال، ولا تدهور التربة مجرد مسألة تقنية تعني المهندسين الزراعيين والباحثين في علوم البيئة. إنها قضية وجود، لأن الأمم لا تفقد مستقبلها حين ينضب النفط أو تتراجع الموارد المالية فحسب، بل تفقده أيضًا حين تفقد تربتها قدرتها على الإنجاب. والتربة، في النهاية، ليست مجرد طبقة من الأرض، وإنما هي الوعاء الذي يحمل الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والسيادة الوطنية معًا. من هذا المنطلق، يكتسب إطلاق المختبر الحي في تونس ضمن مشروع اNEMESISب، الهادف إلى تعزيز صحة التربة ومقاومة التصحر في منطقة البحر الأبيض المتوسط، أهمية تتجاوز حدود مشروع بحثي أو تعاون دولي جديد. فهو يعكس إدراكًا متناميًا بأن المعركة القادمة لن تكون فقط معركة المياه أو الطاقة، وإنما ستكون أيضًا معركة الحفاظ على الأرض نفسها، باعتبارها المورد الأول الذي تنطلق منه كل عملية إنتاج وكل مشروع تنموي.
وقد جاء الإعلان عن هذا المشروع بحضور مؤسسات البحث والتعليم العالي الفلاحي وهياكل الإرشاد والتكوين وعدد من الشركاء الوطنيين والدوليين، بما يؤكد أن حماية التربة لم تعد مسؤولية قطاع بعينه، بل أصبحت مسؤولية جماعية تتطلب التقاء المعرفة العلمية بالخبرة الميدانية والسياسات العمومية مع حاجات الفلاحين.
ولعلّ ما يلفت الانتباه في هذا المشروع أنه يعتمد مقاربة االمختبرات الحيةب، وهي فلسفة تقوم على نقل البحث العلمي من المكاتب والمخابر المغلقة إلى الحقول نفسها، حيث يلتقي الباحث بالفلاح، والعلم بالتجربة، والنظرية بالواقع. ففي عالم تتسارع فيه التغيرات المناخية، لم يعد كافيًا إنتاج الدراسات العلمية، بل أصبح المطلوب تحويل المعرفة إلى حلول قابلة للتطبيق، واختبارها في الظروف الحقيقية، ثم تطويرها بالشراكة مع من يعيشون التحديات يوميًا.
لقد أصبحت تونس، شأنها شأن معظم بلدان المتوسط، تواجه واقعًا مناخيًا جديدًا يختلف كثيرًا عما عرفته لعقود طويلة. فالجفاف لم يعد حالة استثنائية، بل تحوّل إلى ظاهرة متكررة، فيما تتعرض الموارد المائية لضغوط غير مسبوقة، وتتوسع رقعة التصحر، وتتزايد مظاهر تدهور الأراضي بفعل الانجراف والتملّح وفقدان المادة العضوية وتراجع التنوع البيولوجي. وكل ذلك ينعكس مباشرة على الإنتاج الفلاحي، وعلى قدرة البلاد على تحقيق أمنها الغذائي، وعلى أوضاع آلاف الأسر التي تعتمد في رزقها على الأرض.
ولا تكمن خطورة تدهور التربة في انخفاض الإنتاج فقط، بل في أن استعادة التربة لعافيتها تحتاج إلى سنوات طويلة، وربما إلى عقود كاملة. ولذلك فإن الوقاية تبقى أقل كلفة بكثير من محاولة إصلاح ما أفسدته سنوات الإهمال أو الاستغلال المفرط أو التغيرات المناخية المتسارعة.
ولم يعد مفهوم الأمن الغذائي اليوم مرتبطًا فقط بتوفير الحبوب أو الخضراوات أو اللحوم، بل أصبح يبدأ من صحة التربة نفسها. فكلما كانت التربة أكثر خصوبة وأكثر قدرة على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية، ازدادت قدرة الفلاحة على الصمود في مواجهة الجفاف، وارتفعت جودة الإنتاج، وانخفضت كلفة الاستغلال، وتحسنت مداخيل الفلاحين. أما التربة المرهقة والمستنزفة، فإنها تصبح عبءا على الاقتصاد وعلى البيئة في آن واحد.
ومن هنا تتضح أهمية ما أكده وزير الفلاحة من أن صحة التربة ينبغي أن تكون في صلب السياسات العمومية والبرامج التنموية. فالمسألة لم تعد قضية بيئية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبحت ركيزة من ركائز التنمية الوطنية. إذ لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة أو عن اقتصاد فلاحي قادر على المنافسة إذا كانت الأرض نفسها تفقد تدريجيًا قدرتها على الإنتاج.
ويكتسب مشروع اNEMESISب بعدًا إضافيًا لأنه يجمع سبعة وثلاثين شريكًا من اثنتي عشرة دولة، ضمن برنامج اأفق أوروباب، بما يجعل تونس جزءًا من شبكة متوسطية واسعة لتبادل الخبرات والتجارب والابتكارات. وهذا يؤكد أن تحديات المناخ والتصحر لم تعد تحديات محلية، بل أصبحت تحديات عابرة للحدود، لا يمكن مواجهتها إلا عبر التعاون الدولي، وتقاسم المعرفة، والاستفادة من التجارب الناجحة.
كما أن اختيار تونس لتكون ضمن هذه الشبكة العلمية يعكس ما تمتلكه من خبرات بحثية ومؤسسات علمية قادرة على الإسهام في تطوير حلول مبتكرة، ويمنحها فرصة لتوظيف نتائج البحث العلمي في خدمة سياساتها الفلاحية والبيئية، بدل أن تبقى هذه النتائج حبيسة الندوات والتقارير.
لكن نجاح مثل هذه المشاريع يبقى رهين تحويلها إلى ثقافة وطنية. فحماية التربة لا تبدأ بالمختبر وحده، بل تبدأ أيضًا من الممارسات الفلاحية اليومية، ومن حسن إدارة المياه، ومن التشجير، ومن مقاومة الانجراف، ومن الحد من التلوث، ومن نشر الوعي بأن الأرض ليست موردًا يُستهلك حتى ينضب، وإنما أمانة يجب أن تنتقل سليمة إلى الأجيال القادمة.
إن الأمم التي تحسن العناية بأرضها إنما تستثمر في مستقبلها قبل أن تستثمر في حاضرها. فالأرض الخصبة لا تنتج الغذاء فقط، بل تنتج الاستقرار، وتحدّ من الفقر، وتخلق فرص العمل، وتحافظ على التوازنات البيئية، وتقلل من الهجرة الداخلية والخارجية التي تدفع إليها الأزمات المناخية وتراجع الموارد.
ولهذا فإن إطلاق المختبر الحي في تونس لا يمثل مجرد بداية مشروع يمتد إلى سنة 2029، بل يمكن أن يكون بداية رؤية جديدة تجعل من التربة قضية سيادية، ومن البحث العلمي أداة للتنمية، ومن التعاون الدولي وسيلة لبناء فلاحة أكثر قدرة على الصمود. فحين تحمي تونس تربتها، فإنها لا تحمي حقولها فحسب، بل تحمي أمنها الغذائي، واقتصادها، واستقرارها، وتحفظ للأجيال القادمة حقها في أرض قادرة على العطاء، لأن مستقبل الأوطان يبدأ دائمًا من الأرض التي تقف عليها.
