بين حقّ الفنان التونسي والحسابات المالية للمهرجانات الجدل الصيفي الذي لا ينتهي
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
مع الإعلان تباعا عن برمجة المهرجانات الدولية والوطنية في تونس، يعود إلى الواجهة الجدل نفسه الذي يتكرر كل صيف: من له الأولوية في اعتلاء ركح المهرجانات؟ هل هو الفنان التونسي باعتبارها تظاهرات تموّل في جزء كبير منها من المال العام، أم نجوم الغناء العرب الذين يضمنون إقبالا جماهيريا واسعا وعائدات مالية تساعد على إنقاذ ميزانيات هذه المهرجانات؟
ولم يعد هذا النقاش مجرد سجال عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحوّل إلى قضية ثقافية واقتصادية في الآن نفسه، تتداخل فيها اعتبارات الهوية الفنية مع منطق السوق ومتطلبات التسيير.
بين الحقّ والإقصاء
ويرى عدد كبير من الفنانين التونسيين أن لهم حقا طبيعيا في أن يكونوا في صدارة برمجة المهرجانات الوطنية والدولية. فهذه التظاهرات، في نظرهم، وُجدت أساسا لدعم الإبداع المحلي، وتوفير فضاءات لقاء بين الفنان التونسي وجمهوره، فضلا عن مساهمتها في تطوير الصناعة الموسيقية الوطنية. ويذهب بعضهم إلى اعتبار تقليص حضور الفنانين التونسيين لفائدة أسماء عربية أو أجنبية نوعا من الإقصاء غير المبرر، خاصة بالنسبة إلى الأجيال الجديدة التي لا تجد فرصا كافية للظهور أمام جمهور واسع.
ويستند أصحاب هذا الرأي أيضا إلى أن الأموال العمومية التي تُرصد للمهرجانات ينبغي أن تعود بالنفع، في المقام الأول، على المشهد الثقافي الوطني، لا أن تتحول إلى مبالغ ضخمة تغادر البلاد في شكل أجور لفنانين عرب أو أجانب يقضون ليلة واحدة في تونس ثم يغادرون.
غير أن مديري المهرجانات يطرحون معادلة أكثر تعقيدا. فهم لا يديرون مؤسسات ثقافية فحسب، بل يتحملون أيضا مسؤولية تحقيق التوازن المالي لمهرجانات ارتفعت تكاليف تنظيمها بشكل غير مسبوق، في ظل تضخم أسعار التجهيزات التقنية والأمن والنقل والإقامة والدعاية.
ومن هذا المنطلق، تصبح برمجة نجم عربي أو أكثر ضرورة اقتصادية قبل أن تكون خيارا فنيا. فالأسماء العربية الكبيرة وحدها غالبا ما تستطيع ضمان بيع آلاف التذاكر في ساعات قليلة، وجذب جمهور قادم من مختلف الجهات، بل وحتى من بعض البلدان المجاورة، وهو ما ينعكس مباشرة على مداخيل المهرجان وعلى الحركة السياحية والتجارية في المدن المحتضنة.
نجوم عرب لتمويل العروض التونسية
ويؤكد كثير من المسؤولين أن هذه الإيرادات هي التي تسمح، في المقابل، بتمويل عروض تونسية أقل قدرة على استقطاب الجمهور، وبالحفاظ على التوازن المالي للتظاهرة بأكملها.
كما أن الجمهور نفسه ليس كتلة واحدة. فجزء واسع منه ينتظر كل صيف حضور نجوم الغناء العربي، ويرى في ذلك فرصة لمتابعة عروض قد لا تتكرر إلا نادرا، بينما يطالب جزء آخر بإعطاء الأولوية للإنتاج التونسي وإبراز تنوعه وجودته.
وربما تكمن المشكلة الحقيقية في أن النقاش يُطرح كل مرة وكأنه اختيار بين طرفين متناقضين، بينما يمكن أن يكون الحل في بناء سياسة برمجة متوازنة. فالمهرجان الدولي، بحكم اسمه وطبيعته، مطالب بالانفتاح على التجارب العربية والعالمية، لكنه مطالب أيضا بأن يكون واجهة للإبداع التونسي لا مجرد محطة ضمن جولات الفنانين العرب.
ولعل المطلوب اليوم ليس تقليص حضور النجوم العرب، ولا الاكتفاء بالفنان التونسي مهما كانت قدرته على استقطاب الجمهور، وإنما البحث عن معادلة تحقق التوازن بين البعدين الثقافي والاقتصادي. فالفنان العربي يمنح المهرجان إشعاعا إعلاميا وجماهيريا، بينما يمنحه الفنان التونسي هويته وخصوصيته وسبب وجوده.
ويبقى السؤال مطروحا مع كل صائفة: هل تستطيع المهرجانات التونسية أن تصوغ برمجة تجعل من الفنان التونسي المستفيد الأول من المال العمومي، دون أن تخسر في الوقت نفسه بريقها العربي والدولي وقدرتها على استقطاب الجمهور؟ إنه سؤال لن يجد إجابته في موسم واحد، لكنه سيظل معيارا حقيقيا لنجاح السياسة الثقافية في تحقيق التوازن بين دعم الإبداع الوطني والانفتاح على الفضاء العربي، بعيدا عن منطق الصراع الذي يتجدد كل عام مع انطلاق موسم المهرجانات.
