من الرّفاهية إلى الضرورة إقبال ملحوظ على اقتناء أجهزة التّكييف والتّبريد
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
مع استمرار موجة الحرّ القياسية التي تضرب مختلف ولايات الجمهورية، وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير معهودة، تشهد الأسواق التونسية خلال هذه الفترة حركية استثنائية في مبيعات أجهزة التكييف والتبريد. فقد تحولت هذه الأجهزة، التي كانت إلى وقت قريب تعد من الكماليات لدى جزء كبير من الأسر، إلى ضرورة ملحة تفرضها الظروف المناخية القاسية، خاصة بالنسبة للعائلات التي تضم أطفالا أو كبارا في السن أو مرضى يعانون من أمراض مزمنة.
ولم يعد مشهد الاكتظاظ داخل محلات بيع المكيفات غريبا، حيث يتزايد الإقبال يوما بعد آخر، بالتوازي مع ارتفاع الطلب على خدمات التركيب والصيانة التي أصبحت بدورها تعرف ضغطا كبيرا، حتى إن بعض الفنيين يؤجلون مواعيد التدخل لأيام بسبب كثرة الطلبات.
غير أن هذا الإقبال الكثيف يخفي وراءه واقعا اجتماعيا صعبا، إذ وجدت آلاف الأسر نفسها أمام معادلة معقّدة: الحاجة الملحّة إلى اقتناء جهاز تكييف من جهة، وارتفاع أسعاره وتكاليف تركيبه واستهلاكه للكهرباء من جهة أخرى. لذلك لم تجد العديد من العائلات سوى اللجوء إلى التداين أو الشراء بالتقسيط لتوفير الحد الأدنى من الراحة داخل المنازل.
عروض تتماشى مع كثرة الطلبات
وباتت عروض البيع بالتقسيط تستقطب عددا متزايدا من الحرفاء، فيما يلجأ آخرون إلى الاقتراض من الأقارب أو الأصدقاء أو حتى من مؤسسات التمويل الصغير، فقط من أجل اقتناء جهاز يقيهم وأبناءهم من حرارة أصبحت تهدد الصحة أكثر مما تمثل مجرد مصدر للإزعاج.
بعض التجار أكدوا لـاالصحافة اليومب أن المبيعات خلال الأسابيع الأخيرة تضاعفت مقارنة بالفترة نفسها من السنوات الماضية، وهو ما يعكس حجم التغير الذي طرأ على سلوك المستهلك التونسي. فالمواطن الذي كان يؤجل شراء المكيف أو يستغني عنه تماما، أصبح يعتبره اليوم استثمارا ضروريا لحماية أسرته من موجات الحر المتكررة التي أصبحت أكثر شدة واستمرارية بفعل التغيرات المناخية.
لكن المفارقة أن اقتناء جهاز التكييف لا يمثل سوى بداية المصاريف، إذ سرعان ما تظهر مخاوف جديدة تتعلق بفاتورة الكهرباء التي ترتفع بشكل ملحوظ خلال أشهر الصيف. ولذلك تعيش عديد الأسر حالة من التردد، فهي مضطرة إلى تشغيل المكيف لتخفيف الحرارة، لكنها في الوقت نفسه تخشى الفواتير المرتفعة التي قد تثقل ميزانيتها المحدودة.
وفي الأحياء الشعبية والجهات الداخلية، تبدو هذه المعاناة أكثر وضوحا، حيث تجد العائلات ذات الدخل المحدود نفسها مجبرة على الاختيار بين توفير الراحة الحرارية أو المحافظة على توازن مصاريفها الشهرية. وبعضها لا يشغّل المكيف إلا لساعات محدودة خلال الليل، في محاولة للتقليل من استهلاك الكهرباء.
كما ساهمت هذه الوضعية في تنشيط سوق الأجهزة المستعملة، حيث ارتفع الطلب على المكيفات المستعملة الأقل سعرا، رغم ما قد تحمله من مخاطر تتعلق بارتفاع استهلاك الطاقة أو كثرة الأعطال. ويقبل عدد من المواطنين على هذا الخيار باعتباره الحل الوحيد الذي يتلاءم مع إمكانياتهم المادية.
من جهة أخرى، يرى مختصون أن تزايد الاعتماد على أجهزة التكييف يفرض تحديات إضافية على شبكة الكهرباء الوطنية، خاصة في فترات الذروة التي يتزامن فيها تشغيل ملايين الأجهزة في مختلف أنحاء البلاد. وهو ما يجعل استهلاك الكهرباء يبلغ مستويات مرتفعة، ويزيد من الضغط على منظومة الإنتاج والتوزيع.
إن هذه الظاهرة تكشف تحولا اجتماعيا مهما، إذ لم يعد الحديث عن أجهزة التكييف مرتبطا بالرفاهية، وإنما أصبح مرتبطا بجودة الحياة والحق في العيش في ظروف إنسانية مقبولة، خاصة مع تصاعد درجات الحرارة سنة بعد أخرى.
وفي المقابل، تبدو الحاجة ملحّة إلى ضرورة تشجيع استعمال الأجهزة ذات النجاعة الطاقية العالية، إلى جانب توسيع برامج دعم الطاقات المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية، بما يسمح للأسر بالتخفيف من أعباء استهلاك الكهرباء.
وفي ظل المؤشرات المناخية التي تؤكد أن موجات الحر ستصبح أكثر تكرارا خلال السنوات القادمة، يبدو أن الطلب على أجهزة التكييف سيواصل الارتفاع، وهو ما يستدعي التفكير في حلول مستدامة لا تقتصر على توفير أجهزة التبريد فقط، بل تشمل أيضا تحسين العزل الحراري للمباني، وترشيد استهلاك الطاقة، ووضع سياسات اجتماعية تراعي قدرة العائلات محدودة الدخل على التكيّف مع واقع مناخي جديد أصبح يفرض نفسه بقوة على الحياة اليومية للتونسيين.
إنقطاعات الكهرباء: خسائر تطال الاقتصاد وتربك جميع الأنشطة
الصحافة اليوم :مصباح الجدي لم يعد الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في تونس مجرد إزعاج يعي…
