2026-08-07

حفل‭ ‬بوينا‭ ‬فيستا‭ ‬أوركسترا‭ ‬الكوبية‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي موسيقى‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬والذّاكرة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي

سهرة‭ ‬الاثنين‭ ‬28‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭ ‬على‭ ‬ركح‭ ‬مسرح‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭ ‬بالحمامات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي‭ ‬التّي‭ ‬أمّنتها‭ ‬فرقة‭ ‬بوينا‭ ‬فيستا‭ ‬أوركسترا‭ ‬الكوبية،‭ ‬كانت‭ ‬لمن‭ ‬يعرف‭ ‬الفرقة‭ ‬وتاريخها‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬ما‭ ‬ينتظرون‭ ‬ولمن‭ ‬يشاهد‭ ‬الفرقة‭ ‬لأوّل‭ ‬مرّة‭ ‬اكتشافا‭ ‬جميلا‭ ‬صاخبا‭.‬

تملك‭ ‬الموسيقى‭ ‬الأمريكية‭ ‬اللاتينية‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ايهامك‭ ‬أنّها‭ ‬تشبه‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬صخبها‭ ‬وفي‭ ‬قوّتها‭ ‬وسيلانها‭ ‬الذّي‭ ‬نتوهّم‭ ‬أنّه‭ ‬فوضوي‭. ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬ارتجالا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الموسيقى‭ ‬الحية‭ ‬النابضة‭ ‬هو‭ ‬ارتجال‭ ‬ضمن‭ ‬قالب‭ ‬وضمن‭ ‬جمالية‭ ‬تمسك‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬خام،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الموسيقى‭ ‬مثقلة‭ ‬بذاكرة‭ ‬مفتوحة‭ ‬الشرايين‭ ‬على‭ ‬روافد‭ ‬عديدة‭ ‬أهمّها‭ ‬الرافد‭ ‬الافريقي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬خفيفة‭  ‬تترك‭ ‬مساحة‭ ‬للتفاعل‭ ‬مع‭ ‬اللحظة‭ ‬الآنية‭  ‬و‭ ‬مع‭ ‬الجمهور‭.‬

بوينا‭ ‬فيستا‭ ‬أوركسترا‭ ‬تواصل‭ ‬تجربة‭ ‬مشروع‭ ” ‬بوينا‭ ‬فيستا‭ ‬سوسيال‭ ‬كلوب‭” ‬الذّي‭ ‬أنجز‭ ‬عنه‭ ‬السينمائي‭ ‬الألماني‭ ‬فيم‭ ‬فندرس‭ ‬فيلما‭ ‬وثائقيا‭ ‬بنفس‭ ‬الاسم،‭ ‬وهو‭ ‬مشروع‭ ‬أبرز‭ ‬الموروث‭ ‬الكوبي‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭. ‬وفي‭ ‬مزجها‭ ‬بين‭ ‬السون‭ ‬والبوليرو‭ ‬والدانزون‭ ‬وايقاعات‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬تواصل‭ ‬بوينا‭ ‬فيستا‭ ‬أوركسترا‭ ‬بقيادة‭ ‬عازف‭ ‬الكمان‭ ‬رولاندو‭ ‬موريخون‭ ‬رييس،‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬الخطّ‭ ‬والروحية‭ ‬التي‭ ‬تنظر‭ ‬للموسيقى‭ ‬كاحتفالية‭.‬

أتاح‭ ‬سكون‭ ‬البحر‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬مسرح‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭ ‬بالحمامات،‭ ‬مساحة‭ ‬مثلى‭ ‬كي‭ ‬يتحسّس‭ ‬جمهور‭ ‬المهرجان،‭ ‬وهو‭ ‬خليط‭ ‬جميل‭ ‬من‭ ‬الأعمار‭ ‬ومن‭ ‬الأجيال‭ ‬ومن‭ ‬الجنسيات،‭ ‬ايقاعات‭ ‬موسيقى‭ ‬غريبة‭ ‬عنه‭ ‬وأليفة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الآن،‭ ‬حتّى‭ ‬أنّ‭ ‬الجميع‭ ‬رقص‭ ‬واستسلم‭ ‬لنداءات‭ ‬الجسد‭. ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬تحوّلت‭ ‬المدّرجات‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭ ‬رقص‭ ‬صاخبة‭.‬

ما‭ ‬كان‭ ‬لافتا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السهرة‭ ‬هو‭ ‬قدرة‭ ‬التونسيين‭ ‬والتونسييات‭ ‬على‭ ‬تطويع‭ ‬أجسادهم‭ ‬وعلى‭ ‬الرقص‭ ‬على‭ ‬ايقاعات‭ ‬بعيدة‭ ‬عنهم‭ ‬وعن‭ ‬ايقاع‭ ‬حياتهم‭ ‬المختلف‭ ‬بالضرورة‭ ‬عن‭ ‬ايقاع‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬كوبا‭. ‬رقصوا‭ ‬بسلاسة‭ ‬وعفوية‭ ‬من‭ ‬تعوّد‭ ‬سماع‭ ‬هذه‭ ‬الأوركسترا،‭ ‬كأنّهم‭ ‬ولدوا‭ ‬على‭ ‬نغماتها‭ ‬وتدرّبوا‭ ‬طويلا‭ ‬على‭ ‬فكّ‭ ‬شفراتها‭. ‬إنّها‭ ‬معجزة‭ ‬الموسيقى‭ ‬حين‭ ‬تحرّر‭ ‬الأجساد‭ ‬من‭ ‬إسارها‭ ‬ومن‭ ‬انضباطها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتجعلها‭ ‬حرّة‭ ‬منطلقة‭ ‬ومبتهجة‭.‬

انتهى‭ ‬هذا‭ ‬الحفل‭ ‬الراقص‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭. ‬دام‭ ‬قرابة‭ ‬ساعة‭ ‬وأربعين‭ ‬دقيقة،‭ ‬وفي‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬عندما‭ ‬تعلن‭ ‬الأوركسترا‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬الحفل‭ ‬أو‭ ‬تغادر‭ ‬الركح‭ ‬تعود‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بنفس‭ ‬الشغف‭ ‬والحضور‭ ‬القوي‭ ‬كي‭ ‬تمدّد‭ ‬في‭ ‬أنفاس‭ ‬البهجة‭ ‬المشتركة‭. ‬مغنّ‭ ‬ومغنية‭ ‬شاركهم‭ ‬أحد‭ ‬العازفين‭ ‬الغناء‭ ‬وعشر‭ ‬عازفين‭ ‬انتشروا‭ ‬على‭ ‬ركح‭ ‬أحبّهم‭ ‬وأحبّوه،‭ ‬بعضهم‭ ‬يخرج‭ ‬كي‭ ‬يرتاح‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬وبعضهم‭ ‬يتقدّم‭ ‬على‭ ‬الركح‭ ‬كي‭ ‬يرقص‭ ‬مبتهجا‭ ‬بنسائم‭ ‬الليل‭ ‬التونسي‭ ‬الهادئ‭. ‬كأنّهم‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬يعرفونه‭ ‬ويألفونه‭.‬

وبقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬الأوركسترا‭ ‬الكوبية‭ ‬صانعة‭ ‬لهذا‭ ‬الحفل‭ ‬الموسيقي‭ ‬الباذخ‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬منفتحة‭ ‬لاستقبال‭ ‬الطاقة‭ ‬المرحة‭ ‬التي‭ ‬انخرط‭ ‬فيها‭ ‬الجمهور‭. ‬وبدا‭ ‬أن‭ ‬لاشيء‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬الركح‭ ‬وبين‭ ‬المدرّجات،‭  ‬كأنّما‭ ‬صانع‭ ‬الموسيقى‭ ‬ومن‭ ‬يستقبلها‭ ‬في‭ ‬جسده‭ ‬وفي‭ ‬مهجته‭ ‬كائن‭ ‬واحد‭. ‬فيما‭ ‬وراء‭ ‬الحدود‭ ‬والثقافات‭ ‬يعبر‭ ‬المعنى‭  ‬ويكسر‭ ‬حاجز‭ ‬اللغة‭. ‬فاللغة‭ ‬بدورها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬كثافة‭ ‬العاطفة‭ ‬الانسانيّة‭. ‬والموسيقى‭ ‬كلغة‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬اختلاجات‭ ‬الروح‭  ‬دون‭ ‬وسائط،‭ ‬كي‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬المشترك‭ ‬الغامض‭ ‬الذّي‭ ‬يجمع‭ ‬بيننا،‭ ‬وإلى‭ ‬تلك‭ ‬العجينة‭ ‬التّي‭ ‬تجعل‭ ‬منّا‭ ‬كائنات‭ ‬بأحاسيس‭ ‬وعواطف‭ ‬وذاكرات‭.‬

تحتاج‭ ‬الموسيقى‭ ‬أن‭ ‬ترمي‭ ‬بعروقها‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬جماعية‭ ‬ما،‭ ‬وأن‭ ‬تغرف‭ ‬من‭ ‬ينابيع‭ ‬ثقافتها‭.  ‬ذاك‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬لنا‭ ‬حفل‭  ‬بوينا‭ ‬فيستا‭ ‬أوركسترا‭. ‬ولعلّ‭ ‬موسيقانا‭ ‬وموسيقيينا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬ينسون‭ ‬هذه‭ ‬البداهة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الأمريكي‭ ‬بيغ‭ ‬دادي‭ ‬ولسون‭ ‬على‭ ‬ركح‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي البلوز‭ ‬يقول‭ ‬الحقيقة‭ ‬وكلّ‭ ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬هو‭ ‬الحب

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي ‭  ‬دخل‭ ‬مغني‭ ‬البلوز‭ ‬الأمريكي‭ ‬بيغ‭ ‬دادي‭ ‬ولس…