حفل بوينا فيستا أوركسترا الكوبية في مهرجان الحمامات الدولي موسيقى عابرة للحدود والذّاكرة
الصحافة اليوم: كمال الهلالي
سهرة الاثنين 28 جويلية 2026 على ركح مسرح الهواء الطلق بالحمامات في إطار مهرجان الحمامات الدولي التّي أمّنتها فرقة بوينا فيستا أوركسترا الكوبية، كانت لمن يعرف الفرقة وتاريخها في مستوى ما ينتظرون ولمن يشاهد الفرقة لأوّل مرّة اكتشافا جميلا صاخبا.
تملك الموسيقى الأمريكية اللاتينية القدرة على ايهامك أنّها تشبه الحياة في صخبها وفي قوّتها وسيلانها الذّي نتوهّم أنّه فوضوي. وما قد يبدو ارتجالا في هذه الموسيقى الحية النابضة هو ارتجال ضمن قالب وضمن جمالية تمسك بما هو خام، وعلى هذا النحو وبقدر ما تكون هذه الموسيقى مثقلة بذاكرة مفتوحة الشرايين على روافد عديدة أهمّها الرافد الافريقي، بقدر ما تكون خفيفة تترك مساحة للتفاعل مع اللحظة الآنية و مع الجمهور.
بوينا فيستا أوركسترا تواصل تجربة مشروع ” بوينا فيستا سوسيال كلوب” الذّي أنجز عنه السينمائي الألماني فيم فندرس فيلما وثائقيا بنفس الاسم، وهو مشروع أبرز الموروث الكوبي التقليدي إلى العالم. وفي مزجها بين السون والبوليرو والدانزون وايقاعات أمريكا اللاتينية، تواصل بوينا فيستا أوركسترا بقيادة عازف الكمان رولاندو موريخون رييس، على نفس الخطّ والروحية التي تنظر للموسيقى كاحتفالية.
أتاح سكون البحر القريب من مسرح الهواء الطلق بالحمامات، مساحة مثلى كي يتحسّس جمهور المهرجان، وهو خليط جميل من الأعمار ومن الأجيال ومن الجنسيات، ايقاعات موسيقى غريبة عنه وأليفة في نفس الآن، حتّى أنّ الجميع رقص واستسلم لنداءات الجسد. وعلى هذا النحو تحوّلت المدّرجات إلى حلبة رقص صاخبة.
ما كان لافتا في هذه السهرة هو قدرة التونسيين والتونسييات على تطويع أجسادهم وعلى الرقص على ايقاعات بعيدة عنهم وعن ايقاع حياتهم المختلف بالضرورة عن ايقاع الحياة في كوبا. رقصوا بسلاسة وعفوية من تعوّد سماع هذه الأوركسترا، كأنّهم ولدوا على نغماتها وتدرّبوا طويلا على فكّ شفراتها. إنّها معجزة الموسيقى حين تحرّر الأجساد من إسارها ومن انضباطها الاجتماعي وتجعلها حرّة منطلقة ومبتهجة.
انتهى هذا الحفل الراقص في حدود منتصف الليل. دام قرابة ساعة وأربعين دقيقة، وفي كلّ مرّة عندما تعلن الأوركسترا عن نهاية الحفل أو تغادر الركح تعود من جديد بنفس الشغف والحضور القوي كي تمدّد في أنفاس البهجة المشتركة. مغنّ ومغنية شاركهم أحد العازفين الغناء وعشر عازفين انتشروا على ركح أحبّهم وأحبّوه، بعضهم يخرج كي يرتاح ثم يعود وبعضهم يتقدّم على الركح كي يرقص مبتهجا بنسائم الليل التونسي الهادئ. كأنّهم في بيت يعرفونه ويألفونه.
وبقدر ما كانت الأوركسترا الكوبية صانعة لهذا الحفل الموسيقي الباذخ بقدر ما كانت منفتحة لاستقبال الطاقة المرحة التي انخرط فيها الجمهور. وبدا أن لاشيء يفصل بين الركح وبين المدرّجات، كأنّما صانع الموسيقى ومن يستقبلها في جسده وفي مهجته كائن واحد. فيما وراء الحدود والثقافات يعبر المعنى ويكسر حاجز اللغة. فاللغة بدورها قد تكون أدنى من أن تعبّر عن كثافة العاطفة الانسانيّة. والموسيقى كلغة تعبّر عن اختلاجات الروح دون وسائط، كي نعود إلى المشترك الغامض الذّي يجمع بيننا، وإلى تلك العجينة التّي تجعل منّا كائنات بأحاسيس وعواطف وذاكرات.
تحتاج الموسيقى أن ترمي بعروقها في ذاكرة جماعية ما، وأن تغرف من ينابيع ثقافتها. ذاك ما يقوله لنا حفل بوينا فيستا أوركسترا. ولعلّ موسيقانا وموسيقيينا على هذه الأرض، ينسون هذه البداهة.
الأمريكي بيغ دادي ولسون على ركح مهرجان الحمامات الدولي البلوز يقول الحقيقة وكلّ ما نحتاجه هو الحب
الصحافة اليوم: كمال الهلالي دخل مغني البلوز الأمريكي بيغ دادي ولس…
