ماريزا في مهرجان الحمامات الدولي حين يصبح الحنين موسيقى
الصحافة اليوم: كمال الهلالي
أهدت البرتغالية ماريزا لجمهور مهرجان الحمامات الدولي، في سهرة السبت 1 أوت 2026، أنخابا من الفنّ الرفيع . وأضافت إلى ذاكرة المهرجان اسما جديدا ستحتفظ بغنائه على ركحه طويلا.
في عتمة المسرح وتحت إضاءة خفيفة لا تبرز إلا عازفا كان ينقر على أوتار الغيتار البرتغالي ذي الأوتار الاثني عشر منفردا، دخلت ماريزا وبدأت في الغناء. بدت على الركح ظلا رشيقا بحنجرة قوية، كأنّ ما يهمّ، بهذه الرؤية السينوغرافية هو الصوت والموسيقى الآتية من ظلال ما. الصوت والموسيقى اللذان يصنعان النور. وحين أضاءها الضوء بدت كما حورية بثوبها المرصّع بالأصداف وبالأوشام على جسدها وبشعرها الحليق بالكاد، حورية من لشبونة ومن شوارعها التّي تضجّ بموسيقى الفادو. وهي موسيقى أشبه بخليط من الأوشام المحفورة في ذاكرة مدينة ( لشبونة) وفي ذاكرة بلد ( البرتغال): أوشام وتأثيرات افريقية برازيلية ومن العمق البرتغالي اختلطت مع غناء وأشواق البحارة الذين كانوا ينطلقون لاكتشافات كبرى قد تعصف بأقدارهم. يعني الفادو القدر. ويرتبط بكلمة برتغالية أخرى ” سوداد saudade”، تستعصي على الترجمة، إذ تعبّر عن خليط من المشاعر، قد يعني ” الكآبة البهيجة” ، أو ” حضور الغياب” كما يرى شاعر البرتغال الكبير فرناندو بيسوا، وعموما يدلّ على فقدان كائن أو مكان أو زمن لن يعود وما يخلّفه من شجن.
كانت ماريزا تقدّم لكلّ أغنية بحديث وبمقدّمات تكشف عن تاريخها الشخصي وعن حكاياها وفهمها للموسيقى وللحياة. في هذا البوح اللطيف قالت أنّها منذ ألبومها الأول ” الفادو وأنا The fado and me” كانت ترغب في ابهاج أبيها المحبّ لهذا الفن والشغوف به ولكن الحياة وكما تفعل دائما قادتها في ثنايا أخرى حتّى وجدت نفسها في هذا البلد الجميل تونس على مسرح الحمامات. غنّت ماريزا عن الشوق والحنين والحب، ليس الحب الجسدي ولكن الحبّ في مفهومه الأعمّ. قالت أنّ الحبّ، هو عنوان ألبومها القادم، ومن هذا الألبوم غنّت أغنية تبدأ على هذا النحو:” من الممكن أن أحبّك إلى آخر العمر، من الممكن..”.
كأنّ الحبّ استعارة عن الوجود، ممكنٌ نرجئه دائما ومدار ننجذب إليه، منه تبدأ هذه الموسيقى وتنتهي إليه. وعن الموسيقي قالت ماريزا أنّها حبّ صاف، أخذ وعطاء، وأنّها بحاجة إلى أنّ تحس بالجمهور حتّى تعطيه. لذلك قرّبت كرسيها من مقدّمة الركح وغنّت من هناك، من ذلك القرب، بحثا عن الدفء والحميمية. كما صعدت بين المدارج لتكون وسط الجمهور، كأنّها تذّكر بأنّ هذا النمط الموسيقى الذّي صار رديفا لاسم البرتغال، منشؤه ومكانه الطبيعي بين الناس وحيث تهدر الحياة.
قالت ماريزا أنّها ولدت في المستعمرة البرتغالية القديمة: الموزنبيق من أب برتغالي جدّا ومن أمّ موزنبيقية داكنة البشرة، داكنة جدّا، ثمّ انتقلت العائلة إلى لشبونة عندما كانت في سنّ الثالثة. ونشأت في الشارع الذي شهد ولادة فن الفادو، حيث مطعم العائلة. ومن هذا الشارع، من أجوائه وحكاياه وصخبه صاغت موسيقاها، وأعطت أنفاسا جديدة لهذا التقليد الغنائي الذّي حوّل أشجان الناس إلى قِطَعٍ من البهجة وقصصهم إلى شعْر. الأشجان تقولها الايقاعات البطيئة والبهجة تقولها الايقاعات السريعة، وما بينهما كان صوت ماريزا يتنقّل بين الطبقات مشبعا بكلّ ما تحمله ذاكرتها الفردية والعائلية والجماعية من أوشام ومن أصداف ولآلىء.
ستبقى سهرة ماريزا وشما جميلا في ذاكرة مهرجان ونَخْبًا رُفع عاليا من أجل الفن والحب والموسيقى والثقافة. ذلك ما قالته هي وهي ترفع الكأس التي كانت تشرب منها الماء، تحيّة للجمهور، وذاك ما كان.
سليف كايتا في مهرجان الحمامات الدولي حـين يـتحوّل الركـح إلى ســاحة عـُرْسٍ مـُبـْهِجٍ
الصحافة اليوم: كمال الهلالي أوفت سهرة الجمعة 31 جويلية 2026 في إطار …
