في عيدها الوطني ماذا تحقق للمرأة التونسية وماذا تنتظر ؟
الصحافة اليوم : راضية قريصيعة
في الثالث عشر من الشهر الجاري ، احتفلت بلادنا بالعيد الوطني للمرأة، وهي مناسبة تتجاوز بعدها الاحتفالي لتتحول إلى محطة سنوية لتقييم مسار طويل من المكاسب والإنجازات، واستحضار التحديات التي ما تزال تحول دون تحقيق المساواة الفعلية بين النساء والرجال.
فمنذ صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، قطعت المرأة التونسية أشواطا مهمة في مجال الحقوق المدنية والاجتماعية، وأصبحت حاضرة بقوة في التعليم والصحة والقضاء والإدارة والبحث العلمي ومختلف المهن. غير أن المفارقة التي تفرض نفسها اليوم هي أن ارتفاع مستوى تعليم النساء وحضورهن في قطاعات عديدة لم يرافقه حضور اقتصادي وسياسي واجتماعي متكافئ.
وهنا يطرح عيد المرأة في بلادنا سؤالا جوهريا ألا وهو ماذا تحقق فعلا للمرأة التونسية ؟ وما الذي تنتظره حتى تتحول المساواة من مكسب قانوني الى واقع معاش ؟
من مجلة الأحوال الشخصية الى ترسيخ الحقوق
لا يمكن الحديث عن وضع المرأة التونسية من دون استحضار الإرث التشريعي الذي جعل تونس ، منذ الاستقلال ، من الدول العربية الرائدة في مجال حقوق المرأة.
فمجلة الأحوال الشخصية مثلت تحولا عميقا في وضع المرأة والأسرة، من خلال إلغاء تعدد الزوجات، وتنظيم الزواج والطلاق، وإ قرار جملة من الضمانات القانونية التي عززت مكانة المرأة داخل الأسرة والمجتمع.
وتواصل هذا المسار لاحقا من خلال تطوير التشريعات المتعلقة بمناهضة التمييز والعنف ضد المرأة، وصولا إلى القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة ، الذي مثّل محطة مهمة في الانتقال من مجرد الاعتراف بالمشكلة إلى بناء منظومة قانونية ومؤسساتية للتصدي لها.
كما أُحدث المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة، إلى جانب آليات التنسيق الجهوية، في إطار متابعة تنفيذ القانون وتحسين التكفل بالنساء ضحايا العنف.
لكن قوة النصوص القانونية تظل مرتبطة بمدى تطبيقها على أرض الواقع، وبقدرة المؤسسات على توفير الحماية والإنصاف والوقاية، خاصة للنساء الأكثر هشاشة.
التعليم .. أبرز قصص النجاح
اذا كانت هناك مكاسب اجتماعية يصعب إنكارها، فإن التعليم يأتي في مقدمتها.
فالمرأة التونسية لم تعد مجرد مستفيدة من المدرسة والجامعة، بل أصبحت من أبرز مكونات المنظومة التعليمية والعلمية. وتكشف البيانات الحديثة أن النساء يمثلن نحو 66 % من طلبة التعليم العالي ، كما أنهن يشكلن حوالي 58 % من خريجي اختصاصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. هذه الأرقام تعكس تحولا اجتماعيا عميقا ، فالعائلة التونسية أصبحت تنظر إلى تعليم البنت باعتباره حقا واستثمارا في المستقبل، كما أصبح وجود النساء في الجامعة ومهن الطب والهندسة والقانون والبحث العلمي أمرا طبيعيا في المجتمع. لكن نجاح المرأة في التعليم يطرح في المقابل سؤالا آخر، لماذا لا تتحول هذه الأفضلية التعليمية دائما الى استقلال اقتصادي ومواقع قيادية ؟
ربما تكون سوق الشغل أكبر اختبار حقيقي للمكاسب الاجتماعية التي تحققت للمرأة.فوفقا لبيانات المعهد الوطني للإحصاء، بلغ عدد النساء ضمن السكان النشيطين خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 نحو1.379 مليون امرأة أي 32,3 % من مجموع السكان النشيطين.
وتشير بيانات الأمم المتحدة للمرأة إلى أن نسبة النشاط الاقتصادي للنساء في تونس لا تزال في حدود 27,9 %، في حين تبلغ البطالة النسائية 21.3 بالمائة، وترتفع بشكل كبير لدى الشابات وهنا تظهر إحدى أكبر المفارقات في التجربة التونسية: المرأة تحقق نتائج متميزة في التعليم ، لكنها تواجه صعوبات أكبر في الانتقال من الجامعة الى سوق الشغل ، وفي الوصول الوظائف اللائقة والمواقع القيادية.
وتزداد الصعوبات بالنسبة إلى النساء في الجهات الداخلية والوسط الريفي، حيث تتداخل محدودية فرص التشغيل مع ضعف النقل والخدمات والحصول على التمويل.
المرأة الريفية .. معركة المساواة في الجهات
لا يمكن أن تكون التنمية النسائية مكتملة إذا بقيت الفوارق بين نساء المدن والنساء في المناطق الريفية والداخلية قائمة.
وفي السنوات الأخيرة برز اهتمام متزايد بالتمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء في الجهات، من خلال دعم المشاريع الصغرى والتعاونيات والتكوين والتمويل.
وفي هذا الإطار، تم خلال سنة 2025 اطلاق خطة العمل الوطنية 2030 للتمكين الاجتماعي والاقتصادي للنساء والفتيات في المناطق الريفية ، بما يوفر إطارا استراتيجيا لتدعيم الحقوق الاقتصادية للنساء الريفيات. كما استفادت نساء في ولايات داخلية من خدمات تجمع بين التمكين الاقتصادي والتوعية بالحقوق والوقاية من العنف ودعم المبادرات.
لكن الانتظار يبقى أكبر من مجرد برامج ظرفية. فالمرأة الريفية تحتاج إلى بنية تحتية وخدمات صحية ونقل وتعليم ورعاية أطفال وتمويل مستدام حتى تصبح قادرة فعلا على بناء استقلال اقتصادي.
العنف ضد المرأة .. الجرح الذي لم يندمل رغم التطور التشريعي
يبقى العنف ضد المرأة أحد أبرز الملفات التي تؤكد أن المعركة لم تنته. فالقانون موجود، والهياكل موجودة، وخدمات الإحاطة تطورت، لكن العنف الأسري والاقتصادي والنفسي والجسدي والتحرش والعنف الرقمي ما تزال تحديات حقيقية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة للمرأة إلى أن بلادنا حققت مستويات مرتفعة نسبيا في مجال الأطر القانونية المتعلقة بمناهضة العنف ضد النساء، لكن الفجوة بين القانون والتطبيق تظل من أهم التحديات.
ومن هنا فإن الانتظار الأساسي لا يتعلق بإصدار قوانين جديدة فقط، بل بضمان تنفيذ القوانين القائمة، وتوفير الموارد البشرية والمالية للمؤسسات المكلفة بالحماية، وتسريع الإجراءات القضائية، وتعزيز الإحاطة النفسية والاجتماعية والاقتصادية بالضحايا.
كما أصبح من الضروري التعامل بجدية أكبر ضد العنف الرقمي الذي يطال النساء والفتيات، خصوصا مع توسع استخدام منصات التواصل الاجتماعي.
حضور في مواقع القرار .. لكن الطريق مازالت طويلة
حققت المرأة التونسية أيضا حضورا مهما في مؤسسات الدولة، وفي القضاء والإدارة والطب والتعليم والدبلوماسية.
وتفيد وثائق رسمية بأن النساء مثلن نحو50 % من القضاة والأطباء سنة 2024 ونحو45 % من السلك الدبلوماسي، كما بلغت نسبة النساء في المناصب القيادية حوالي 36 % لكن المشهد السياسي يظل أقل توازنا.
فبعد انتخابات 2022، بلغ عدد النساء في مجلس نواب الشعب 25 نائبة من أصل 153 عضو، أي حوالي 16,2 % .
كما تشير وثائق رسمية إلى أن تمثيلية النساء في عدد من الهياكل المنتخبة ومواقع صنع القرار بقيت محدودة. وهذا يطرح سؤالا يتجاوز مجرد عدد المقاعد ، فهل تستطيع المرأة أن تكون حاضرة فعلا في صناعة القرار. أم أن حضورها العددي لا يزال منفصلا عن حجم تأثيرها ؟
ان مشاركة المرأة في القرار ليست مسألة رمزية ، بل ترتبط أيضا بمدى قدرة المؤسسات على إدماج قضايا النساء والأطفال والأسرة والحماية الاجتماعية والعمل والرعاية في السياسات العامة.
كما ان التمكين السياسي لا يعني فقط الوصول إلى البرلمان أو المجالس المنتخبة، وإنما أيضا تولي المسؤوليات القيادية، ورئاسة اللجان، والمشاركة في صياغة السياسات العامة واتخاذ القرارات.
مع اقتراب الاحتفال بالمولد النبوي الشريف: أسعار الزقوقو بين تحدّيات الطلب وتحدّيات القدرة الشرائية
الصحافة اليوم : راضية قريصيعة مع اقتراب موعد الاحتفال بالمولد النبوي ا…
