هل الصيف عدو للمسرح فعلا؟
الصحافة اليوم:كمال الشيحاوي
تدرّج استبعاد المسرح من برمجة أغلب المهرجانات الصيفية التونسية، حتى بلغ الأمر هذه السنة الاكتفاء بعرضين في مهرجان الحمامات الدولي، هما االهارباتب لوفاء الطبوبي واجاكارنداب لنزار السعيدي، وعرض االقرهمانةب لمعز التومي ضمن برمجة مهرجان قرطاج، إضافة إلى عروض متفرقة في مهرجانات جهوية ومحلية يغلب عليها طابع الممثل الواحد والنزوع إلى الترفيه.
وكلما طُرح السؤال عن هيمنة الحفلات الغنائية والعروض الموسيقية واالوان مان شوب، تتكرر الإجابة ذاتها: الجمهور في الصيف يبحث عن الترفيه، والحرارة لا تسمح بمتابعة عرض مسرحي يحتاج إلى التركيز والتأمل. ومع تكرار هذا التبرير تحوّل من مجرد اختيار قابل للنقاش إلى ما يشبه االحقيقةب التي لم يعد أحد يراجعها.
لكن هل الصيف عدو للمسرح فعلا؟
تكذّب الذاكرة الثقافية التونسية هذه الفرضية. فحتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي كانت المهرجانات الصيفية، وفي مقدمتها مهرجان الحمامات الدولي، فضاءات رئيسية للإنتاج المسرحي. ولم يكن المسرح ضيفا استثنائيا، بل أحد أعمدة البرمجة، حتى اكتسب مهرجان الحمامات سمعة عربية باعتباره أحد أهم مواسم العرض المسرحي. كما شهدت مهرجانات قرطاج والمنستير وصفاقس وبنزرت وسوسة عروضا جماهيرية استقطبت آلاف المتفرجين، من بينها أعمال فرقة مسرح الجنوب بقفصة بقيادة عبد القادر مقداد، إلى جانب تجارب المنصف السويسي وعز الدين قنون ونور الدين الورغي والفاضل الجعايبي.
بل إن المسرح نفسه وُلد تاريخيا في الفضاءات المفتوحة. فالمسارح الإغريقية والرومانية كانت تستقبل آلاف المتفرجين في الهواء الطلق، كما عرف العالم العربي مسارح صيفية كبرى، من قرطاج والحمامات إلى جرش وبعلبك. فكيف صار المسرح اليوم غريبا عن أمكنته الطبيعية؟
يصعب تفسير الامر بالتحول المناخي وحده. فالمشكلة تبدو مرتبطة أيضا بتغير وظيفة المهرجانات.
فلقد تأسست المهرجانات الثقافية، في لحظة نشأتها، بوصفها مشاريع للتنوير وتوسيع المشاركة في الثقافة، لكنها أصبحت في كثير من الحالات جزءا من اقتصاد الفرجة، حيث يقاس النجاح بعدد التذاكر والمتابعين والتغطية الإعلامية، لا بما تفتحه العروض من أسئلة جمالية وفكرية.
ومن هذا المنطق يبدو المسرح أكثر كلفة وأقل ضمانا، لأنه يحتاج إلى الإنصات والزمن والتأمل، في حين تحقق الحفلات والعروض الخفيفة نجاحا جماهيريا سريعا. وهنا برز االوان مان شوب بوصفه بديلا سهل الإنتاج والتنقل، خصوصا مع نجاح أسماء مثل الأمين النهدي ولطفي العبدلي وجعفر القاسمي. وليس في هذا اللون الفني ما يدعو إلى الرفض، فهو جزء مشروع من الفنون الركحية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى البديل شبه الوحيد للمسرح الجماعي.
ولا يعني الدفاع عن المسرح التقليل من شأن الموسيقى أو الترفيه، وإنما رفض تحويل التسلية إلى الخيار الثقافي الوحيد. فالتجربة الخليجية، حيث ترتفع درجات الحرارة أكثر بكثير من تونس، تثبت أن المناخ ليس قدرا يمنع المسرح، متى توفرت البنية والتجهيزات والإرادة الثقافية.
ومع ذلك لا يمكن تحميل المؤسسات الثقافية وحدها مسؤولية هذا التراجع. فقد ساهم المسرح نفسه في بعض الأحيان في تضييق قاعدة جمهوره، حين اكتفى عدد من التجارب بجمهور محدود من المختصين والنقاد والطلبة، وانقطعت صلته بالجمهور الواسع. وهنا تبدو الحاجة إلى مراجعة العلاقة بين المسرح والجمهور، لا إلى انتظار قرار إداري يعيده إلى المهرجانات.
إن استعادة المسرح حضوره الصيفي تتطلب سياسة ثقافية طويلة النفس تبدأ من المدرسة، وتمر بالمسرح الجهوي وتطوير الإنتاج والترويج وتحرير المسرح من عزلته النخبوية. فالقضية في النهاية ليست منافسة بين المسرح والموسيقى، وإنما دفاع عن التنوع الثقافي وحق المجتمع في ألا يتحول الصيف إلى موسم لتعليق التفكير.
فالثقافة التي تؤجل الأسئلة الكبرى إلى ما بعد انتهاء العطلة، قد تكتشف أنها أجلتها إلى أجل غير مسمى.
على هامش ظاهرة تركيب الأعمال الموسيقية بالذكاء الاصطناعي: لا يـمكن إيـقاف الـتطوّر ولـكن يـمكن تـوظيـفه لكـشــف التحيـّل
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي لم يعد السؤال اليوم: هل سيغيّر الذكاء الا…
