2026-08-15

هل‭ ‬الصيف‭ ‬عدو‭ ‬للمسرح‭ ‬فعلا؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬كمال‭ ‬الشيحاوي

تدرّج‭ ‬استبعاد‭ ‬المسرح‭ ‬من‭ ‬برمجة‭ ‬أغلب‭ ‬المهرجانات‭ ‬الصيفية‭ ‬التونسية،‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬الأمر‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بعرضين‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي،‭ ‬هما‭ ‬االهارباتب‭ ‬لوفاء‭ ‬الطبوبي‭ ‬واجاكارنداب‭ ‬لنزار‭ ‬السعيدي،‭ ‬وعرض‭ ‬االقرهمانةب‭ ‬لمعز‭ ‬التومي‭ ‬ضمن‭ ‬برمجة‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عروض‭ ‬متفرقة‭ ‬في‭ ‬مهرجانات‭ ‬جهوية‭ ‬ومحلية‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬طابع‭ ‬الممثل‭ ‬الواحد‭ ‬والنزوع‭ ‬إلى‭ ‬الترفيه‭.‬

وكلما‭ ‬طُرح‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬هيمنة‭ ‬الحفلات‭ ‬الغنائية‭ ‬والعروض‭ ‬الموسيقية‭ ‬واالوان‭ ‬مان‭ ‬شوب،‭ ‬تتكرر‭ ‬الإجابة‭ ‬ذاتها‭: ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الترفيه،‭ ‬والحرارة‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬بمتابعة‭ ‬عرض‭ ‬مسرحي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬والتأمل‭. ‬ومع‭ ‬تكرار‭ ‬هذا‭ ‬التبرير‭ ‬تحوّل‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬اختيار‭ ‬قابل‭ ‬للنقاش‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬االحقيقةب‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أحد‭ ‬يراجعها‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬الصيف‭ ‬عدو‭ ‬للمسرح‭ ‬فعلا؟

تكذّب‭ ‬الذاكرة‭ ‬الثقافية‭ ‬التونسية‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭. ‬فحتى‭ ‬نهاية‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬كانت‭ ‬المهرجانات‭ ‬الصيفية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي،‭ ‬فضاءات‭ ‬رئيسية‭ ‬للإنتاج‭ ‬المسرحي‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬المسرح‭ ‬ضيفا‭ ‬استثنائيا،‭ ‬بل‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬البرمجة،‭ ‬حتى‭ ‬اكتسب‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬سمعة‭ ‬عربية‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مواسم‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭. ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬مهرجانات‭ ‬قرطاج‭ ‬والمنستير‭ ‬وصفاقس‭ ‬وبنزرت‭ ‬وسوسة‭ ‬عروضا‭ ‬جماهيرية‭ ‬استقطبت‭ ‬آلاف‭ ‬المتفرجين،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أعمال‭ ‬فرقة‭ ‬مسرح‭ ‬الجنوب‭ ‬بقفصة‭ ‬بقيادة‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬مقداد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تجارب‭ ‬المنصف‭ ‬السويسي‭ ‬وعز‭ ‬الدين‭ ‬قنون‭ ‬ونور‭ ‬الدين‭ ‬الورغي‭ ‬والفاضل‭ ‬الجعايبي‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬المسرح‭ ‬نفسه‭ ‬وُلد‭ ‬تاريخيا‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬المفتوحة‭. ‬فالمسارح‭ ‬الإغريقية‭ ‬والرومانية‭ ‬كانت‭ ‬تستقبل‭ ‬آلاف‭ ‬المتفرجين‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق،‭ ‬كما‭ ‬عرف‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬مسارح‭ ‬صيفية‭ ‬كبرى،‭ ‬من‭ ‬قرطاج‭ ‬والحمامات‭ ‬إلى‭ ‬جرش‭ ‬وبعلبك‭. ‬فكيف‭ ‬صار‭ ‬المسرح‭ ‬اليوم‭ ‬غريبا‭ ‬عن‭ ‬أمكنته‭ ‬الطبيعية؟

‭ ‬يصعب‭ ‬تفسير‭ ‬الامر‭ ‬بالتحول‭ ‬المناخي‭ ‬وحده‭. ‬فالمشكلة‭ ‬تبدو‭ ‬مرتبطة‭ ‬أيضا‭ ‬بتغير‭ ‬وظيفة‭ ‬المهرجانات‭. ‬

فلقد‭ ‬تأسست‭ ‬المهرجانات‭ ‬الثقافية،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬نشأتها،‭ ‬بوصفها‭ ‬مشاريع‭ ‬للتنوير‭ ‬وتوسيع‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الثقافة،‭ ‬لكنها‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬الفرجة،‭ ‬حيث‭ ‬يقاس‭ ‬النجاح‭ ‬بعدد‭ ‬التذاكر‭ ‬والمتابعين‭ ‬والتغطية‭ ‬الإعلامية،‭ ‬لا‭ ‬بما‭ ‬تفتحه‭ ‬العروض‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬جمالية‭ ‬وفكرية‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬يبدو‭ ‬المسرح‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬وأقل‭ ‬ضمانا،‭ ‬لأنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الإنصات‭ ‬والزمن‭ ‬والتأمل،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تحقق‭ ‬الحفلات‭ ‬والعروض‭ ‬الخفيفة‭ ‬نجاحا‭ ‬جماهيريا‭ ‬سريعا‭. ‬وهنا‭ ‬برز‭ ‬االوان‭ ‬مان‭ ‬شوب‭ ‬بوصفه‭ ‬بديلا‭ ‬سهل‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتنقل،‭ ‬خصوصا‭ ‬مع‭ ‬نجاح‭ ‬أسماء‭ ‬مثل‭ ‬الأمين‭ ‬النهدي‭ ‬ولطفي‭ ‬العبدلي‭ ‬وجعفر‭ ‬القاسمي‭. ‬وليس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬الفني‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الرفض،‭ ‬فهو‭ ‬جزء‭ ‬مشروع‭ ‬من‭ ‬الفنون‭ ‬الركحية،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬البديل‭ ‬شبه‭ ‬الوحيد‭ ‬للمسرح‭ ‬الجماعي‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المسرح‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الموسيقى‭ ‬أو‭ ‬الترفيه،‭ ‬وإنما‭ ‬رفض‭ ‬تحويل‭ ‬التسلية‭ ‬إلى‭ ‬الخيار‭ ‬الثقافي‭ ‬الوحيد‭. ‬فالتجربة‭ ‬الخليجية،‭ ‬حيث‭ ‬ترتفع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬تونس،‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬المناخ‭ ‬ليس‭ ‬قدرا‭ ‬يمنع‭ ‬المسرح،‭ ‬متى‭ ‬توفرت‭ ‬البنية‭ ‬والتجهيزات‭ ‬والإرادة‭ ‬الثقافية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحميل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬وحدها‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭. ‬فقد‭ ‬ساهم‭ ‬المسرح‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬في‭ ‬تضييق‭ ‬قاعدة‭ ‬جمهوره،‭ ‬حين‭ ‬اكتفى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬بجمهور‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬والنقاد‭ ‬والطلبة،‭ ‬وانقطعت‭ ‬صلته‭ ‬بالجمهور‭ ‬الواسع‭. ‬وهنا‭ ‬تبدو‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المسرح‭ ‬والجمهور،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬انتظار‭ ‬قرار‭ ‬إداري‭ ‬يعيده‭ ‬إلى‭ ‬المهرجانات‭.‬

إن‭ ‬استعادة‭ ‬المسرح‭ ‬حضوره‭ ‬الصيفي‭ ‬تتطلب‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭ ‬طويلة‭ ‬النفس‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬المدرسة،‭ ‬وتمر‭ ‬بالمسرح‭ ‬الجهوي‭ ‬وتطوير‭ ‬الإنتاج‭ ‬والترويج‭ ‬وتحرير‭ ‬المسرح‭ ‬من‭ ‬عزلته‭ ‬النخبوية‭. ‬فالقضية‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬ليست‭ ‬منافسة‭ ‬بين‭ ‬المسرح‭ ‬والموسيقى،‭ ‬وإنما‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬وحق‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬ألا‭ ‬يتحول‭ ‬الصيف‭ ‬إلى‭ ‬موسم‭ ‬لتعليق‭ ‬التفكير‭.‬

فالثقافة‭ ‬التي‭ ‬تؤجل‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬العطلة،‭ ‬قد‭ ‬تكتشف‭ ‬أنها‭ ‬أجلتها‭ ‬إلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬مسمى‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

على‭ ‬هامش‭ ‬ظاهرة‭ ‬تركيب‭ ‬الأعمال‭ ‬الموسيقية‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭:‬ لا‭ ‬يـمكن‭ ‬إيـقاف‭ ‬الـتطوّر‭ ‬ولـكن‭ ‬يـمكن‭ ‬تـوظيـفه‭ ‬لكـشــف‭ ‬التحيـّل

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬اليوم‭: ‬هل‭ ‬سيغيّر‭ ‬الذكاء‭ ‬الا…