الدولار يتراجع واليورو يصعد: إلى أين يتجه الدينار التونسي في 2026؟
الصحافة اليوم : خالصة حمروني
شهد سعر صرف الدينار التونسي خلال النصف الأول من سنة 2026 تحركات متباينة أمام العملتين الرئيسيتين، الدولار الأمريكي واليورو. ففي بداية السنة، كان سعر صرف الدولار حوالي 2.89 دينار، ومع نهاية جوان 2026 تراجع إلى حوالي 2.88 دينار، مما يعني أن الدينار تحسن أمام العملة الأمريكية. وفي المقابل، ارتفع سعر صرف اليورو من حوالي 3.37 دينار في جانفي إلى حوالي 3.42 دينار في جوان، مما يعني أن الدينار تراجع أمام العملة الأوروبية.
ولان سعر صرف العملة الوطنية مرتبط بوضع الاقتصاد اولا وبالتغيرات الخارجية ثانيا، فمن المتوقع أن يواصل سعر صرف الدينار تحركاته أمام كل من الدولار واليورو في السداسي الثاني من السنة الجارية. ووفقاً للاتجاهات الاقتصادية الكلية وتحليلات البنك المركزي التونسي، من المتوقع أن يحافظ الدينار التونسي على استقرار نسبي مقابل العملة الأمريكية بحلول نهاية عام 2026، ليتراوح على الأرجح في نطاق مماثل بين 2.85 و2.98 دينار للدولار الواحد. الأمر الذي يؤكد أن الدينار لن يشهد تقلبات حادة أمام الدولار، بل سيبقى ضمن المستويات المسجلة حالياً، مع إمكانية تحسن طفيف إذا استمرت أسعار النفط في الانخفاض أو إذا تحسنت عائدات السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج. الأمر سيان بالنسبة لليورو، فمن المتوقع أن يحافظ سعر الصرف على استقراره النسبي الحالي ليتأرجح في نطاق متوقع بين 3.32 و3.44 دينار بحلول نهاية سنة 2026، مما قد يخفف من الضغط على الدينار أمام العملة الأوروبية.
المطلع على حقيقة الوضع الاقتصادي، يدرك أن تغير سعر صرف الدينار لا يأتي من فراغ بل هو نتاج عدة ظروف خارجية وداخلية تتقاطع فيما بينها. فتحسن الدينار أمام الدولار، يعود بالأساس إلى تراجع قيمة العملة الأمريكية في الأسواق العالمية خلال هذه الفترة. فقد شهد الدولار ضعفاً مقابل معظم العملات الرئيسية، نتيجة لتوقعات السوق بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. الأمر الذي جعل الدينار التونسي يبدو أقوى أمامه. في المقابل، سجل اليورو ارتفاعاً مقابل الدينار، وذلك بدعم من قرار البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة في جوان 2026 للمرة الأولى منذ عام 2023، مما عزز جاذبية العملة الأوروبية وجعلها أكثر قوة. كما أن تحسن أداء الاقتصاد الأوروبي خلال هذه الفترة ساهم في دعم اليورو مقابل العملات الأخرى، بما فيها الدينار التونسي.
أما بخصوص العوامل الداخلية، فإن أسباب تحركات الدينار أمام هذه العملات الرئيسية متعددة ومتداخلة. فالميزان التجاري سجل عجزاً كبيراً بلغ 12.6 مليار دينار في السداسي الأول، يساهم قطاع الطاقة وحده بنحو 6.8 مليار دينار منه، أي أكثر من النصف، وهذا العجز الطاقي المرتفع اجبر تونس على صرف الكثير من مخزون العملات الأجنبية لتمويل وارداتها . كما أن نسبة تغطية الواردات بالصادرات تراجعت من 77.4% إلى 73.9%، مع انخفاض ملحوظ في صادرات زيت الزيتون والتمور، وهما من أهم المنتجات التصديرية إلى أوروبا . إضافة إلى ذلك، يعاني الاقتصاد التونسي من نقص موارد الميزانية، ومن اجل تمويل عجزها، التجأت الحكومة عديد المرات إلى البنك المركزي.ت
وبحكم أن قيمة سعر صرف الدينار ترتبط كثيرا بالوضع الاقتصادي، فإن هذا التباين في سعر الصرف كانت له تأثيرات على الاقتصاد الوطني. من الناحية الإيجابية، فإن تحسن الدينار أمام الدولار يعني انخفاض كلفة استيراد الطاقة، لأن المحروقات تُسعّر بالدولار. وهذا من شأنه أن يخفف الضغط على الميزان التجاري ويساعد في كبح التضخم المستورد. كما أن تحسن الدينار أمام الدولار يقلل من تكلفة تسديد الديون المقومة بالدولار، مما يخفف العبء على المالية العامة. أما تراجع الدينار أمام اليورو، فيُعتبر خبراً سلبياً نسبياً، لأن تونس تستورد الكثير من السلع من أوروبا، وخاصة المواد الغذائية والمعدات الصناعية. فارتفاع سعر اليورو يعني أن هذه الواردات أصبحت أكثر كلفة، مما يزيد الضغط على الميزان التجاري. كما أن الديون الخارجية التي تكون عملتها اليورو، تصبح أكثر كلفة عند تسديده، وهو ما يثقل المالية العامة.
وفي حقيقة الأمر، رغم تحركات سعر صرف الدينار التونسي في السداسي الأول وحتى ان صدقت توقعات السداسي الثاني، يمكن الجزم أن نسبة هذا التراجع كانت وستكون امحدودةب وتأثيرها سيكون ايضا امحدودب مقارنة بما شهدته العديد من العملات في الأسواق الأخرى خلال الفترة الأخيرة، حيث تعرضت عملات دول تستورد جزءا كبيرا من احتياجاتها بالدولار ضغوطا خاصة مع ارتفاع كلفة الوقود.
وبقدر ما يعتبر البعض أن هذه التحركات دليل على تراجع قيمة الدينار التونسي، فإن شقا اخر يعتبر أن هذه التحركات دليل على استقراره ودليل على صلابته. ويوضح هذا الشق أن هذا الأداء المتباين للدينار أمام الدولار واليورو لم يسجل بسبب ضعف العملة المحلية بل يأتي في سياق تغير صرف العملات الرئيسية في الأسواق الدولية. الأمر الذي يعكس قدرة السياسة النقدية على الحفاظ على قدر من الاستقرار، بما يحد من انعكاسات تقلبات أسعار الصرف.ت
وتماشيا مع توقعات البنك المركزي، يوضح أساتذة الاقتصاد أن تطور سعر صرف الدينار خلال الأشهر المقبلة يبقى مرتبطا بعدة عوامل، من بينها تطورات الاقتصاد العالمي من جهة وقدرة الاقتصاد الوطني على الصمود من جهة أخرى. وللحفاظ على هذا النسق المستقر لسعر صرف الدينار، أو تحسينه تدريجيًا، يوصي اهل الاختصاص بضرورة تعزيز موارد العملة الأجنبية عبر دعم الصادرات، تنشيط السياحة، تشجيع تحويلات التونسيين بالخارج والاستثمارات الأجنبية، إلى جانب الحد من العجز الطاقي وترشيد الواردات. كما أن تحسن الإنتاجية والقدرة التنافسية للاقتصاد من شأنهما دعم الدينار على المدى المتوسط، والتقليص من الضغوط التي قد تدفع إلى تراجع قيمته أمام العملات الرئيسية.
منتدى الأعمال التونسي الهندي: فرصة جديدة لتطوير شراكة اقتصادية واعدة
الصحافة اليوم : خالصة حمروني بهدف تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع بلدان …
