االيد العاملة الموسميةب في عيد الأضحى: مهن مؤقتة تنتعش أيّاما وتختفي بقية السنة
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
بعيداً عن الجدل السنوي حول أسعار الأضاحي وغلاء اللحوم، تنشط في تونس مع اقتراب عيد الأضحى منظومة اقتصادية موازية لا تحظى غالباً بالاهتمام الإعلامي الكافي، رغم أنها تشغل مئات بل آلاف الأشخاص بشكل موسمي. إنها منظومة امهن العيدب، تلك الأعمال الصغيرة والمؤقتة التي تظهر بقوة قبل أيام من العيد ثم تختفي تدريجياً بعده، لكنها تمثل بالنسبة إلى كثيرين فرصة حقيقية لتأمين دخل سريع في ظرف اقتصادي صعب.
في الأحياء الشعبية والأسواق الأسبوعية والطرقات القريبة من نقاط بيع الأضاحي، تبدأ ملامح هذا الاقتصاد الموسمي في الظهور بوضوح. شاحنات نقل الأغنام، شبان يعرضون خدمات تنزيل الأضاحي، مختصون في شحذ السكاكين، باعة الفحم والحطب، حرفيون يصنعون االمشواةب، وعمال تنظيف يتنقلون بين المنازل بعد الذبح.. وهي دورة اقتصادية قصيرة العمر لكنها كثيفة الحركة.
وفي كل سنة، يكتشف عدد من العاطلين عن العمل أو أصحاب المهن الهشة أن عيد الأضحى يمكن أن يتحول إلى اموسم شغل مؤقتب بعضهم يبدأ التحضير قبل أسابيع، عبر اقتناء معدات بسيطة أو الاتفاق مع القصابين وأصحاب نقاط البيع لتقديم خدمات مرتبطة بالأضحية.
شاب من حي شعبي بالعاصمة يقول: افي أسبوع العيد، نعمل أكثر من شهر كامل في بعض المهن الأخرىب.
هذه الحقيقة تكشف جانباً اجتماعياً واقتصادياً مهماً في تونس اليوم:فالمناسبات الدينية لم تعد فقط فضاءات للاستهلاك، بل أصبحت أيضاً مناسبات لخلق نشاط اقتصادي موازٍ، ولو بشكل مؤقت وغير منظم.
ومن أكثر المهن التي تشهد طلباً كبيراً خلال هذه الفترة، خدمات نقل الأضاحي. فمع ارتفاع عدد العائلات التي تقتني الخرفان من نقاط بيع بعيدة عن الأحياء السكنية، وجد كثير من أصحاب الشاحنات الصغيرة والدراجات ثلاثية العجلات فرصة لتحقيق مداخيل إضافية.
كما تنتعش بشكل لافت مهنة شحذ السكاكين، حيث تتحول بعض الأرصفة إلى ورشات مفتوحة، يصطف أمامها المواطنون لتحضير أدوات الذبح. والمفارقة أن بعض الحرفيين الذين تراجعت أعمالهم خلال بقية السنة، يعتمدون بشكل كبير على اموسم العيدب لإنقاذ مداخيلهم.
لكن الظاهرة الأكثر إثارة للانتباه تبقى تنامي خدمات االقصابين المتنقلينب. فمع تغير نمط الحياة داخل المدن، وابتعاد كثير من الشباب عن تعلم تقنيات الذبح والسلخ، أصبح عدد كبير من العائلات يستعين بمهنيين يتنقلون بين المنازل صباح العيد مقابل مبالغ متفاوتة يتم الاتفاق بشأنها.
هذا التحول يعكس تغيراً عميقاً في البنية الاجتماعية الحضرية. ففي الماضي، كانت عملية الذبح تتم غالباً بمساعدة الأقارب والجيران داخل الحي، أما اليوم فقد أصبحت أقرب إلى اخدمة مدفوعةب تُطلب مسبقاً مثل أي خدمة منزلية أخرى.
ويرى مختصون في علم الاجتماع أن هذه المهن الموسمية تعكس قدرة المجتمع التونسي على خلق آليات تأقلم اقتصادية سريعة في فترات الضغط المالي. فالكثير من الشباب الذين يعملون أيام العيد في النقل أو التنظيف أو الخدمات اليدوية، لا يملكون وظائف مستقرة بقية السنة.
وفي المقابل، يطرح هذا الاقتصاد الموسمي جملة من التحديات، أبرزها غياب التنظيم القانوني والتغطية الاجتماعية والسلامة المهنية، خصوصاً في مهن الذبح والنقل التي تتطلب شروطاً صحية وتقنية دقيقة.
ورغم الطابع المؤقت لهذه الأنشطة، فإنها أصبحت جزءاً ثابتاً من المشهد الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بعيد الأضحى في تونس. اقتصاد يتحرك بسرعة، ويولد من رحم الحاجة، ويعكس واقع فئة واسعة من التونسيين الذين يبحثون عن أي فرصة عمل مهما كانت قصيرة.
زيارات ميدانية إلى نقاط بيع الأضاحي ومحلات القصابين: تحرّك جهوي ومحلي لكبح جنون أسعار الأضاحي
الصحافة اليوم: مصباح الجدي مع موجة الغلاء غير المسبوقة التي عرفتها أسع…
