2026-05-24

االيد‭ ‬العاملة‭ ‬الموسميةب‭ ‬في‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭:‬ ‭ ‬مهن‭ ‬مؤقتة‭ ‬تنتعش‭ ‬أيّاما‭ ‬وتختفي‭ ‬بقية‭ ‬السنة

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الجدل‭ ‬السنوي‭ ‬حول‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي‭ ‬وغلاء‭ ‬اللحوم،‭ ‬تنشط‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬موازية‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬غالباً‭ ‬بالاهتمام‭ ‬الإعلامي‭ ‬الكافي،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تشغل‭ ‬مئات‭ ‬بل‭ ‬آلاف‭ ‬الأشخاص‭ ‬بشكل‭ ‬موسمي‭. ‬إنها‭ ‬منظومة‭ ‬امهن‭ ‬العيدب،‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمؤقتة‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬بقوة‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬العيد‭ ‬ثم‭ ‬تختفي‭ ‬تدريجياً‭ ‬بعده،‭ ‬لكنها‭ ‬تمثل‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كثيرين‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لتأمين‭ ‬دخل‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬اقتصادي‭ ‬صعب‭.‬

في‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬والأسواق‭ ‬الأسبوعية‭ ‬والطرقات‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬نقاط‭ ‬بيع‭ ‬الأضاحي،‭ ‬تبدأ‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الموسمي‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬بوضوح‭. ‬شاحنات‭ ‬نقل‭ ‬الأغنام،‭ ‬شبان‭ ‬يعرضون‭ ‬خدمات‭ ‬تنزيل‭ ‬الأضاحي،‭ ‬مختصون‭ ‬في‭ ‬شحذ‭ ‬السكاكين،‭ ‬باعة‭ ‬الفحم‭ ‬والحطب،‭ ‬حرفيون‭ ‬يصنعون‭ ‬االمشواةب،‭ ‬وعمال‭ ‬تنظيف‭ ‬يتنقلون‭ ‬بين‭ ‬المنازل‭ ‬بعد‭ ‬الذبح‭.. ‬وهي‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬قصيرة‭ ‬العمر‭ ‬لكنها‭ ‬كثيفة‭ ‬الحركة‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬يكتشف‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العاطلين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬أصحاب‭ ‬المهن‭ ‬الهشة‭ ‬أن‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬اموسم‭ ‬شغل‭ ‬مؤقتب‭ ‬بعضهم‭ ‬يبدأ‭ ‬التحضير‭ ‬قبل‭ ‬أسابيع،‭ ‬عبر‭ ‬اقتناء‭ ‬معدات‭ ‬بسيطة‭ ‬أو‭ ‬الاتفاق‭ ‬مع‭ ‬القصابين‭ ‬وأصحاب‭ ‬نقاط‭ ‬البيع‭ ‬لتقديم‭ ‬خدمات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالأضحية‭.‬

شاب‭ ‬من‭ ‬حي‭ ‬شعبي‭ ‬بالعاصمة‭ ‬يقول‭: ‬افي‭ ‬أسبوع‭ ‬العيد،‭ ‬نعمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المهن‭ ‬الأخرىب‭.‬

هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬تكشف‭ ‬جانباً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬اليوم‭:‬فالمناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فقط‭ ‬فضاءات‭ ‬للاستهلاك،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أيضاً‭ ‬مناسبات‭ ‬لخلق‭ ‬نشاط‭ ‬اقتصادي‭ ‬موازٍ،‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬مؤقت‭ ‬وغير‭ ‬منظم‭.‬

ومن‭ ‬أكثر‭ ‬المهن‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬طلباً‭ ‬كبيراً‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬خدمات‭ ‬نقل‭ ‬الأضاحي‭. ‬فمع‭ ‬ارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬العائلات‭ ‬التي‭ ‬تقتني‭ ‬الخرفان‭ ‬من‭ ‬نقاط‭ ‬بيع‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الأحياء‭ ‬السكنية،‭ ‬وجد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الشاحنات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والدراجات‭ ‬ثلاثية‭ ‬العجلات‭ ‬فرصة‭ ‬لتحقيق‭ ‬مداخيل‭ ‬إضافية‭.‬

كما‭ ‬تنتعش‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬مهنة‭ ‬شحذ‭ ‬السكاكين،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬بعض‭ ‬الأرصفة‭ ‬إلى‭ ‬ورشات‭ ‬مفتوحة،‭ ‬يصطف‭ ‬أمامها‭ ‬المواطنون‭ ‬لتحضير‭ ‬أدوات‭ ‬الذبح‭. ‬والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الحرفيين‭ ‬الذين‭ ‬تراجعت‭ ‬أعمالهم‭ ‬خلال‭ ‬بقية‭ ‬السنة،‭ ‬يعتمدون‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬اموسم‭ ‬العيدب‭ ‬لإنقاذ‭ ‬مداخيلهم‭.‬

لكن‭ ‬الظاهرة‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للانتباه‭ ‬تبقى‭ ‬تنامي‭ ‬خدمات‭ ‬االقصابين‭ ‬المتنقلينب‭. ‬فمع‭ ‬تغير‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭ ‬داخل‭ ‬المدن،‭ ‬وابتعاد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬عن‭ ‬تعلم‭ ‬تقنيات‭ ‬الذبح‭ ‬والسلخ،‭ ‬أصبح‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬يستعين‭ ‬بمهنيين‭ ‬يتنقلون‭ ‬بين‭ ‬المنازل‭ ‬صباح‭ ‬العيد‭ ‬مقابل‭ ‬مبالغ‭ ‬متفاوتة‭ ‬يتم‭ ‬الاتفاق‭ ‬بشأنها‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعكس‭ ‬تغيراً‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الحضرية‭. ‬ففي‭ ‬الماضي،‭ ‬كانت‭ ‬عملية‭ ‬الذبح‭ ‬تتم‭ ‬غالباً‭ ‬بمساعدة‭ ‬الأقارب‭ ‬والجيران‭ ‬داخل‭ ‬الحي،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬اخدمة‭ ‬مدفوعةب‭ ‬تُطلب‭ ‬مسبقاً‭ ‬مثل‭ ‬أي‭ ‬خدمة‭ ‬منزلية‭ ‬أخرى‭.‬

ويرى‭ ‬مختصون‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المهن‭ ‬الموسمية‭ ‬تعكس‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬آليات‭ ‬تأقلم‭ ‬اقتصادية‭ ‬سريعة‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الضغط‭ ‬المالي‭. ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬أيام‭ ‬العيد‭ ‬في‭ ‬النقل‭ ‬أو‭ ‬التنظيف‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬اليدوية،‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬وظائف‭ ‬مستقرة‭ ‬بقية‭ ‬السنة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يطرح‭ ‬هذا‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الموسمي‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬التحديات،‭ ‬أبرزها‭ ‬غياب‭ ‬التنظيم‭ ‬القانوني‭ ‬والتغطية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسلامة‭ ‬المهنية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬الذبح‭ ‬والنقل‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬شروطاً‭ ‬صحية‭ ‬وتقنية‭ ‬دقيقة‭.‬

ورغم‭ ‬الطابع‭ ‬المؤقت‭ ‬لهذه‭ ‬الأنشطة،‭ ‬فإنها‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬ثابتاً‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬المرتبط‭ ‬بعيد‭ ‬الأضحى‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬اقتصاد‭ ‬يتحرك‭ ‬بسرعة،‭ ‬ويولد‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الحاجة،‭ ‬ويعكس‭ ‬واقع‭ ‬فئة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬الذين‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬قصيرة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

زيارات‭ ‬ميدانية‭ ‬إلى‭ ‬نقاط‭ ‬بيع‭ ‬الأضاحي‭ ‬ومحلات‭ ‬القصابين‭:‬ تحرّك‭ ‬جهوي‭ ‬ومحلي‭ ‬لكبح‭ ‬جنون‭ ‬أسعار‭ ‬الأضاحي

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي مع‭ ‬موجة‭ ‬الغلاء‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬أسع…