مشروع قانون مكافحة الإقصاء المالي:
البنك البريدي يثير الجدل… والإدماج المالي عنوان إصلاحات واسعة
الصحافة اليوم: عواطف السويدي
يعدّ مشروع القانون المتعلق بمكافحة الإقصاء المالي أحد أبرز المشاريع الإصلاحية التي تراهن عليها الحكومة لتوسيع دائرة الإدماج المالي وتعزيز نفاذ الأفراد والمؤسسات إلى الخدمات البنكية والرقمية. غير أن مناقشات لجنة المالية والميزانية كشفت عن تباين في الرؤى بشأن عدد من الخيارات المطروحة، وفي مقدمتها مقترح إحداث بنك بريدي، الذي تحول إلى أبرز نقطة خلاف خلال جلسات الاستماع.
وعقدت لجنة المالية والميزانية جلسة استماع إلى ممثلين عن وزارة المالية وسلطة رقابة التمويل الصغير والهيئة العامة للتأمين، خصصت للنظر في مشروع القانون، وسط تأكيد من مختلف المتدخلين على أن النص يمثل إحدى الركائز الأساسية للإصلاحات الاقتصادية الرامية إلى تحقيق إدماج مالي أوسع والحد من مظاهر التهميش المالي والاجتماعي.
وأكد رئيس اللجنة أن المشروع يندرج ضمن القوانين الإصلاحية ذات البعد الاستراتيجي، باعتباره لا يقتصر على تطوير الخدمات المالية، وإنما يسعى إلى تكريس عدالة أكبر في النفاذ إليها، مع مراجعة جملة من النصوص القانونية المنظمة لقطاعات التمويل الصغير والتأمين وخدمات الدفع والبنك المركزي، بما يحافظ على انسجام المنظومة التشريعية. كما شدد على ضرورة أن تعكس النصوص الترتيبية المرتقبة إرادة المشرّع دون المساس باختصاص السلطة التشريعية.
وخلال عرضها لمضامين المشروع، أوضحت وزارة المالية أن القانون يستهدف أساسا الفئات محدودة الدخل والأشخاص ذوي الإعاقة وأصحاب الحرف والمؤسسات الصغرى، من خلال توفير خدمات مالية ورقمية أكثر قربا ومرونة، بما يعزز مساهمتها في الدورة الاقتصادية ويدعم خلق مواطن الشغل والتقليص من الفوارق الجهوية. واستندت الوزارة إلى معطيات أظهرت أن الإدماج المالي في تونس ما يزال دون المستوى المأمول، إذ لا يتعامل سوى نحو 60 بالمائة من البالغين مع المؤسسات البنكية أو البريدية، فيما تبقى نسب استعمال وسائل الدفع الإلكتروني والخدمات المالية عبر الهاتف الجوال محدودة للغاية.
ويقوم المشروع على أربعة محاور رئيسية تتمثل في توسيع النفاذ إلى الخدمات المالية، وتعزيز دور الهيئات الرقابية، وتطوير حماية مستهلكي الخدمات المالية ونشر الثقافة المالية، إلى جانب الحد من التداول النقدي ودعم وسائل الدفع الإلكتروني. كما يقترح توسيع مجال تدخل مؤسسات التمويل الصغير ليشمل المؤسسات الصغرى والشركات الأهلية ومؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، مع تمكينها من تقديم خدمات جديدة، من بينها خدمات الدفع والوساطة في التأمين وتسويق منتجات الادخار.
لكن النقاش الأبرز داخل اللجنة تعلّق بمقترح إحداث بنك بريدي. فقد اعتبر عدد من النواب أن شبكة مكاتب البريد المنتشرة في مختلف جهات البلاد تمثل رصيدا وطنيا يمكن استثماره لتقريب الخدمات البنكية، خاصة في المناطق الداخلية، وتمكين المؤسسات الصغرى والمتوسطة من النفاذ إلى التمويل، فضلا عن دعم الادخار والدفع الرقمي والحد من الفوارق الجهوية.
غير أن وزارة المالية تمسكت بموقفها، مؤكدة أن إحداث بنك بريدي أو تعزيز مساهمة البريد التونسي في رأس مال بنك قائم يظل خيارا استراتيجيا لا يمكن الحسم فيه ضمن هذا المشروع، باعتباره يتطلب دراسة معمقة لمختلف الجوانب القانونية والاقتصادية والمالية، إلى جانب توفير توافق واسع بين مختلف المتدخلين لضمان نجاحه. وأوضحت أن مشروع القانون الحالي يمثل حلقة ضمن مسار إصلاحي أشمل، ولا يمكن أن يستوعب بمفرده جميع الإصلاحات الهيكلية للقطاع المالي والبنكي.
وفي هذا السياق، أكد نائب رئيس لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، ظافر الصغيري، في تصريح لـاالصحافة اليومب، أن اللجنة أعادت تحريك مشروع قانون مكافحة الإقصاء المالي بعد فترة من التوقف، مشيرا إلى أن المشروع، الذي يندرج ضمن مشاريع رئيس الجمهورية، ظل محل نقاش داخل اللجنة منذ نحو عامين قبل أن تتعطل جلسات الاستماع بسبب الجدل الذي رافق مقترح إحداث البنك البريدي.
وأوضح الصغيري أن جلسة الاستماع الأخيرة مع ممثلي وزارة المالية كانت اإيجابية ومثمرةب، مبرزا أنها أتاحت إعادة فتح النقاش حول مختلف محاور المشروع، وخاصة مسألة البنك البريدي التي اعتبرها من أبرز النقاط المطروحة للنقاش.
وأضاف أن ممثلي وزارة المالية تعهدوا بإدخال عدد من التحويرات على مشروع القانون، مع مواصلة دراسة مقترح البنك البريدي، مؤكدا أن أعضاء اللجنة منفتحون على جميع المقترحات التي من شأنها تعزيز الإدماج المالي، في انتظار أن تقدم الحكومة موقفا واضحا ورؤية متكاملة بشأن هذا الخيار، ومدى انعكاساته على المنظومة المالية وجودة الخدمات المسداة للمواطنين.
واعتبر نائب رئيس اللجنة أن إحداث بنك بريدي، في حال إقراره، يمكن أن يمثل إضافة للمنظومة المالية الوطنية، خاصة في ما يتعلق بتقريب الخدمات البنكية من المواطنين وتوسيع قاعدة المنتفعين بها، لاسيما في الجهات الداخلية التي تعاني نقصا في الفروع البنكية.
وشدد الصغيري على أن لجنة المالية حريصة على استكمال النظر في مشروع قانون مكافحة الإقصاء المالي قبل نهاية أشغالها، بالنظر إلى أهميته بالنسبة للاقتصاد الوطني، وما يتضمنه من إصلاحات تستهدف تعزيز الإدماج المالي وتطوير الخدمات البنكية والرقمية لفائدة المواطنين والمؤسسات الاقتصادية.
قبل إسدال الستار على الدورة البرلمانية: البرلمان يرفع نسق أشغاله ومخطط التنمية على رأس الأولويات
الصحافة اليوم : عواطف السويدي مع اقتراب اختتام الدورة البرلمانية العادية …
