ليس دفاعا عن الستاغ ولا تبريرا للانقطاع: كل الأطراف تتحمل مسؤولية عذاب هذه الصائفة
الصحافة اليوم :محمد بوعود
في كل الحالات هي موجة حرّ وستنتهي بعد ايام، وهي بالمقاييس الوطنية قد تكون استثنائية، لكنها بالمقاييس العالمية، عادية جدا، ووقعت وتقع الان بالذات في كل الدول العربية والافريقية وحتى الاوروبية، وخلّفت وتخلّف ضحايا بشرية وخسائر اقتصادية، وهي انعكاس طبيعي لما يسمّى بموجة التطرّف المناخي الذي يسود الطبيعة منذ قرابة العشر سنوات، والذي يقول الخبراء أنه سيتواصل أيضا.
موجة الحرّ هذه، المفروض ان الدولة تتوقعها، والمفترض أنها تعدّ العدّة وتجنّد كل الطاقات للتعاطي معها بالوسائل الناجعة والطاقات الممكنة للتخفيف قدر الامكان من انعكاساتها على المجتمع والاقتصاد، لكن الذي حدث ان الجميع بقي ينتظر الى ان جاءت الموجة وكشفت اخلالات كبيرة في البنية التحتية للشبكة الكهربائية التي كانت تونس تفاخر بها الامم، وكانت تُعتبر الى وقت قريب من المؤسسات الوطنية الرائدة في خدماتها، وبالخصوص في قدرتها على توفير الكهرباء طيلة ساعات النهار و دون انقطاع وبكل الكميات المطلوبة.
هذه المكانة التي احتلتها الستاغ طيلة عقود، جعلت المواطن التونسي بعيدا كل البعد عن عقلية المولّدات والبدائل، خلقت لديه نوع من الطمأنينة ان الكهرباء ستظل متوفرة باستمرار، كما كانت في كل الظروف وفي كل الاوقات.
لكن الذي حصل ان هذه الشبكة تبيّن بالكاشف أنها لم تعد قادرة على توفير هذه الطمأنينة، ولم تعد قادرة أيضا على مسايرة كل الظروف وخاصة الحالات الطارئة، وهذا يعود بالتأكيد الى جهات القرار، وقوى التخطيط والتنفيذ، ومجاميع الصيانة والتشغيل.
لنبدأ اولا بقوى القرار التي لا ينكر أي متابع أنها تخاذلت عديد المرات في اتخاذ القرار المناسب، خاصة في السنوات الاولى بعد 14 جانفي، حين تلكأت الحكومات في حسم موضوع الطاقة الشمسية، الذي كان بامكانه أن يوفر الان 500 ميقاوات، كما يقول الخبراء، وكان بامكانه أن يسهّل العملية كثيرا على الستاغ ويخفف عنها الضغط بما لا يقل عن خمس وعشرين في المائة من الطاقة اللازمة للحفاظ على مستوى خدماتي مناسب.
كما أن القرار السياسي خلال السنوات الاخيرة كان له أيضا تأثير في عدم حصول تونس على نسبة من طاقتها الكهربائية من دولة شقيقة، (تداول البعض ساعتها قيمة 400 ميقاوات كانت ستزودنا بها الجزائر) كان بامكان هذه النسبة ان تخفف الضغط أيضا وتجنب البلاد هذا الوضع الكهربائي الذي وصلنا اليه.
كما أن جهة القرار هي نفسها التي رفضت طيلة سنوات تمكين الستاغ من استيراد قطع الغيار المناسبة لصيانة المعدات وصيانة المولد الرئيسي نفسه والمولدات الفرعية التي بقيت طيلة عقود تشتغل بالترقيع والاصلاح الجزئي والتدخّل المؤقت، الذي لا يمكن الاعتماد عليه في ضمان الاستمرار الطاقي.
اضافة الى ذلك، فان القرار الرسمي ايضا هو المسؤول الاول والاخير على زيادة نسبة الاداء من 7% الى 19% على لواقط الطاقة الشمسية، وزيادة 30% كاداء ديواني على موردي هذه اللواقط ومعداتها، وهو ما جعل هذه الطاقة البديلة مكلفة وباهظة بالنسبة للعائلات والفلاحين وصغار المستثمرين.
صحيح أن هذا المواطن يدفع فواتير باهظة، ومتواترة، وسريعة الارتفاع أكثر من أي بلد في الجوار وربما حتى في العالم، لكن الصحيح أيضا ان الخدمات المقدمة له مقابل ذلك لم تعد متقابلة مع هذه الفواتير التي يدفعها كل فترة، كما أنه بات معرضا لعذابات الانقطاعات المتكررة التي لا يجد لها مبررا، مادام يدفع ما عليه، ومادامت الاوضاع المحيطة لازالت تحت السيطرة –حسب ما يعتقده هذا المواطن – فلا سعر الغاز في العالم ارتفع الى ارقام فلكية، ولا حرب الشرق الاوسط أثرت بشكل مباشر على اقتصاد تونس، ولا الستاغ انقطعت عن العمل، ولا أيضا انقطعت عن استخلاص الفواتير منه كل فترة.
وبالتالي فان المواطن الذي يحتج على انقطاع الكهرباء، لا يفعل ذلك ترفا وحبا في الاحتجاج، انما فقط تعبير عن خيبة أمله من القائمين على خدمته، والذين من المفترض أنه (خالص معاهم) وله عليهم حق توفير هذه الطاقة الهامة في هذه الصائفة القائظة، بغضّ النظر عمن كان المسؤول أكثر من غيره في الوصول الى هذه الوضعية.
حتى لا يدفع المريض ثمن الخلاف بين المؤسسات: التسوية بين الكنام وباقي المرافق العلاجية باتت أمرا حياتيا وملحـّا
الصحافة اليوم-محمد بوعود الخلاف بين الكنام وأصحاب الصيدليات ليس جديدا …
