المنظومة الحالية للكهرباء في تونس: ضرورة الإستثمار في تطوير الشبكة حفاظا على الأمن الطاقي
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
لم تكن موجة الحر القياسية التي عاشتها تونس خلال الأسابيع الأخيرة مجرد ظرف مناخي عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المنظومة الوطنية للطاقة على الصمود أمام الطلب المتزايد على الكهرباء.فقد سجل الاستهلاك مستويات غير مسبوقة بفعل الانتشار الواسع لأجهزة التكييف والتبريد، في وقت تكررت فيه الانقطاعات الكهربائية في عدد من الجهات، وتعطلت أنشطة اقتصادية وفلاحية وتجارية، وتكبدت المؤسسات والأسر خسائر مباشرة بسبب اضطراب التزويد.
هذه التطورات أعادت إلى الواجهة سؤالا جوهريا: هل أصبحت الشركة التونسية للكهرباء والغاز بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة تجعلها أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والمناخية والتكنولوجية، أم أن الاكتفاء بالحلول الظرفية لم يعد ممكنا؟
لقد تغيرت طبيعة الطلب على الكهرباء في تونس بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة. فما كان يمثل ذروة استهلاك استثنائية في السابق أصبح اليوم وضعا متكررا كل صيف. كما ارتفع عدد المساكن المجهزة بالمكيفات، واتسع استعمال التجهيزات الكهربائية في مختلف القطاعات، وهو ما فرض ضغوطا غير مسبوقة على شبكات النقل والتوزيع ومحطات الإنتاج.
ولم تعد الإشكالية مرتبطة فقط بزيادة الإنتاج، وإنما أيضا بقدرة الشبكات على استيعاب الأحمال الجديدة دون تسجيل أعطال أو انخفاض في جودة التزويد. فشبكة كهربائية قوية لا تقاس فقط بعدد الميغاواط المنتجة، بل أيضا بمرونة بنيتها التحتية وبسرعة التدخل عند الطوارئ.
وأظهرت الأزمة الأخيرة أن الاقتصاد الوطني أصبح أكثر ارتباطا باستقرار التزويد بالكهرباء. فكل انقطاع يعني توقف آلات الإنتاج داخل المصانع، وتعطل ورشات البناء، وإتلاف المواد الغذائية في المحلات التجارية، وتعثر عمليات الري في الضيعات الفلاحية، وإرباك المؤسسات الصحية والخدماتية، فضلا عن التأثير المباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
لذلك لم يعد تطوير الشركة التونسية للكهرباء والغاز مسألة تقنية تخص قطاع الطاقة فقط، بل أصبح رهانا اقتصاديا واجتماعيا يمسّ تنافسية البلاد وأمنها الغذائي والاستثماري.
رؤية إصلاحية
وتقتضي إعادة الهيكلة رؤية جديدة تقوم على عدة محاور متكاملة، أولها تحديث البنية التحتية الكهربائية عبر تجديد الشبكات القديمة، وتعزيز محطات التحويل، وتطوير منظومات المراقبة الرقمية التي تسمح بالكشف المبكر عن الأعطال وإعادة توزيع الأحمال بشكل ذكي.من جهة ثانية كان بعض الخبراء في الطاقة قد نبهوا الى أهمية التوجه نحو تنويع مصادر الإنتاج. فالاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي يجعل المنظومة أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وصعوبات التزود. ومن هنا تبرز أهمية تسريع مشاريع الطاقات المتجددة، وربطها بشكل أفضل بالشبكة الوطنية، حتى تتحول الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من مصادر مكملة إلى مكون أساسي في المزيج الطاقي.
كما تحتاج الشركة إلى مراجعة نموذجها الاستثماري، إذ أن التوسع العمراني والصناعي يستوجب استثمارات ضخمة لا يمكن تأجيلها. فكل سنة تتأخر فيها مشاريع تدعيم الشبكات تزيد كلفة التدخلات الاستعجالية لاحقا.
كما تبرز أهمية الاستثمار في الرقمنة، فالشبكات الذكية أصبحت اليوم أداة أساسية لإدارة الاستهلاك، والتقليل من الفاقد الفني، وتحسين سرعة التدخل عند الأعطال، وتمكين الحرفاء مستقبلا من مراقبة استهلاكهم بشكل لحظي.
ولا يمكن أيضا تجاهل البعد البشري في عملية الإصلاح. فالموارد البشرية داخل الشركة تمثل أحد أهم عناصر نجاح أي عملية تحديث، وهو ما يفرض الاستثمار في التكوين المستمر، واستقطاب الكفاءات في مجالات الرقمنة والطاقات المتجددة والذكاء الاصطناعي المرتبط بإدارة الشبكات.
ومن جهة أخرى، تفرض التحولات المناخية اعتماد رؤية استباقية لا تقوم على إدارة الأزمات بعد وقوعها، بل على الاستعداد لها مسبقا. فكل المؤشرات المناخية تؤكد أن موجات الحر ستصبح أكثر تواترا وأشد قسوة خلال السنوات القادمة، وهو ما يعني أن الطلب الصيفي على الكهرباء سيواصل الارتفاع عاما بعد آخر.
وفي هذا السياق، قد يكون من المفيد مراجعة برامج النجاعة الطاقية، وتشجيع المباني المقتصدة للطاقة، وتحفيز المؤسسات والأسر على إنتاج جزء من احتياجاتها عبر الطاقة الشمسية، بما يخفف الضغط على الشبكة الوطنية خلال فترات الذروة.
لقد بين صيف هذا العام أن الكهرباء لم تعد مجرد خدمة عمومية، بل أصبحت شرطا أساسيا لاستمرار النشاط الاقتصادي وضمان الاستقرار الاجتماعي. ولذلك فإن تطوير الشركة التونسية للكهرباء والغاز لم يعد خيارا يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية تفرضها المتغيرات المناخية والاقتصادية.
سباق مع النيران في جبال الكاف: إمكانيات لوجستية برّية وجويّة لمواجهة الحرائق
الصحافة اليوم:مصباح الجدي تتواصل، منذ اندلاع الحريق بجبل تكرونة الواق…
