2026-08-04

المنظومة‭ ‬الحالية‭ ‬للكهرباء‭ ‬في‭ ‬تونس‭: ‬ ضرورة‭ ‬الإستثمار‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الشبكة‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

لم‭ ‬تكن‭ ‬موجة‭ ‬الحر‭ ‬القياسية‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬مجرد‭ ‬ظرف‭ ‬مناخي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لقدرة‭ ‬المنظومة‭ ‬الوطنية‭ ‬للطاقة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬الطلب‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الكهرباء‭.‬فقد‭ ‬سجل‭ ‬الاستهلاك‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬بفعل‭ ‬الانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬لأجهزة‭ ‬التكييف‭ ‬والتبريد،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تكررت‭ ‬فيه‭ ‬الانقطاعات‭ ‬الكهربائية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الجهات،‭ ‬وتعطلت‭ ‬أنشطة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وفلاحية‭ ‬وتجارية،‭ ‬وتكبدت‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأسر‭ ‬خسائر‭ ‬مباشرة‭ ‬بسبب‭ ‬اضطراب‭ ‬التزويد‭.‬

هذه‭ ‬التطورات‭ ‬أعادت‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬سؤالا‭ ‬جوهريا‭: ‬هل‭ ‬أصبحت‭ ‬الشركة‭ ‬التونسية‭ ‬للكهرباء‭ ‬والغاز‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬شاملة‭ ‬تجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمناخية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالحلول‭ ‬الظرفية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكنا؟

لقد‭ ‬تغيرت‭ ‬طبيعة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الكهرباء‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬بشكل‭ ‬جذري‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬يمثل‭ ‬ذروة‭ ‬استهلاك‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬وضعا‭ ‬متكررا‭ ‬كل‭ ‬صيف‭. ‬كما‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬المساكن‭ ‬المجهزة‭ ‬بالمكيفات،‭ ‬واتسع‭ ‬استعمال‭ ‬التجهيزات‭ ‬الكهربائية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فرض‭ ‬ضغوطا‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬والتوزيع‭ ‬ومحطات‭ ‬الإنتاج‭.‬

ولم‭ ‬تعد‭ ‬الإشكالية‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بزيادة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬بقدرة‭ ‬الشبكات‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الأحمال‭ ‬الجديدة‭ ‬دون‭ ‬تسجيل‭ ‬أعطال‭ ‬أو‭ ‬انخفاض‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬التزويد‭. ‬فشبكة‭ ‬كهربائية‭ ‬قوية‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬الميغاواط‭ ‬المنتجة،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بمرونة‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬وبسرعة‭ ‬التدخل‭ ‬عند‭ ‬الطوارئ‭.‬

وأظهرت‭ ‬الأزمة‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطا‭ ‬باستقرار‭ ‬التزويد‭ ‬بالكهرباء‭. ‬فكل‭ ‬انقطاع‭ ‬يعني‭ ‬توقف‭ ‬آلات‭ ‬الإنتاج‭ ‬داخل‭ ‬المصانع،‭ ‬وتعطل‭ ‬ورشات‭ ‬البناء،‭ ‬وإتلاف‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬في‭ ‬المحلات‭ ‬التجارية،‭ ‬وتعثر‭ ‬عمليات‭ ‬الري‭ ‬في‭ ‬الضيعات‭ ‬الفلاحية،‭ ‬وإرباك‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬والخدماتية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬التأثير‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين‭.‬

لذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬تطوير‭ ‬الشركة‭ ‬التونسية‭ ‬للكهرباء‭ ‬والغاز‭ ‬مسألة‭ ‬تقنية‭ ‬تخص‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬رهانا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬يمسّ‭ ‬تنافسية‭ ‬البلاد‭ ‬وأمنها‭ ‬الغذائي‭ ‬والاستثماري‭.‬

رؤية‭ ‬إصلاحية

وتقتضي‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬رؤية‭ ‬جديدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬محاور‭ ‬متكاملة،‭ ‬أولها‭ ‬تحديث‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الكهربائية‭ ‬عبر‭ ‬تجديد‭ ‬الشبكات‭ ‬القديمة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬محطات‭ ‬التحويل،‭ ‬وتطوير‭ ‬منظومات‭ ‬المراقبة‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بالكشف‭ ‬المبكر‭ ‬عن‭ ‬الأعطال‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الأحمال‭ ‬بشكل‭ ‬ذكي‭.‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬الخبراء‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬نبهوا‭ ‬الى‭ ‬أهمية‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الإنتاج‭. ‬فالاعتماد‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬يجعل‭ ‬المنظومة‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لتقلبات‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية‭ ‬وصعوبات‭ ‬التزود‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تسريع‭ ‬مشاريع‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة،‭ ‬وربطها‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭ ‬بالشبكة‭ ‬الوطنية،‭ ‬حتى‭ ‬تتحول‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬وطاقة‭ ‬الرياح‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬مكملة‭ ‬إلى‭ ‬مكون‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬المزيج‭ ‬الطاقي‭.‬

كما‭ ‬تحتاج‭ ‬الشركة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬نموذجها‭ ‬الاستثماري،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬والصناعي‭ ‬يستوجب‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تأجيلها‭. ‬فكل‭ ‬سنة‭ ‬تتأخر‭ ‬فيها‭ ‬مشاريع‭ ‬تدعيم‭ ‬الشبكات‭ ‬تزيد‭  ‬كلفة‭ ‬التدخلات‭ ‬الاستعجالية‭ ‬لاحقا‭.‬

كما‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الرقمنة،‭ ‬فالشبكات‭ ‬الذكية‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬لإدارة‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬والتقليل‭ ‬من‭ ‬الفاقد‭ ‬الفني،‭ ‬وتحسين‭ ‬سرعة‭ ‬التدخل‭ ‬عند‭ ‬الأعطال،‭ ‬وتمكين‭ ‬الحرفاء‭ ‬مستقبلا‭ ‬من‭ ‬مراقبة‭ ‬استهلاكهم‭ ‬بشكل‭ ‬لحظي‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أيضا‭ ‬تجاهل‭ ‬البعد‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الإصلاح‭. ‬فالموارد‭ ‬البشرية‭ ‬داخل‭ ‬الشركة‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬تحديث،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬المستمر،‭ ‬واستقطاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الرقمنة‭ ‬والطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المرتبط‭ ‬بإدارة‭ ‬الشبكات‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬تفرض‭ ‬التحولات‭ ‬المناخية‭ ‬اعتماد‭ ‬رؤية‭ ‬استباقية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬بعد‭ ‬وقوعها،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الاستعداد‭ ‬لها‭ ‬مسبقا‭. ‬فكل‭ ‬المؤشرات‭ ‬المناخية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬ستصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تواترا‭ ‬وأشد‭ ‬قسوة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬الصيفي‭ ‬على‭ ‬الكهرباء‭ ‬سيواصل‭ ‬الارتفاع‭ ‬عاما‭ ‬بعد‭ ‬آخر‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬مراجعة‭ ‬برامج‭ ‬النجاعة‭ ‬الطاقية،‭ ‬وتشجيع‭ ‬المباني‭ ‬المقتصدة‭ ‬للطاقة،‭ ‬وتحفيز‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأسر‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬احتياجاتها‭ ‬عبر‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية،‭ ‬بما‭ ‬يخفف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الشبكة‭ ‬الوطنية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الذروة‭.‬

لقد‭ ‬بين‭ ‬صيف‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬أن‭ ‬الكهرباء‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬خدمة‭ ‬عمومية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬شرطا‭ ‬أساسيا‭ ‬لاستمرار‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وضمان‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬تطوير‭ ‬الشركة‭ ‬التونسية‭ ‬للكهرباء‭ ‬والغاز‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارا‭ ‬يمكن‭ ‬تأجيله،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬وطنية‭ ‬تفرضها‭ ‬المتغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬والاقتصادية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

سباق‭ ‬مع‭ ‬النيران‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الكاف‭:‬ إمكانيات‭ ‬لوجستية‭ ‬برّية‭ ‬وجويّة‭ ‬لمواجهة‭ ‬الحرائق

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬ تتواصل،‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الحريق‭ ‬بجبل‭ ‬تكرونة‭ ‬الواق…