2026-08-04

موجة‭ ‬الحرّ‭ ‬تلهب‭ ‬أسعار‭ ‬الخضر‭ ‬والغلال‭ :‬ نقص‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬والكهرباء‭ ‬يُربكان‭ ‬منظومة‭ ‬التزويد

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬مصباح‭ ‬الجدي

تعرف‭ ‬أسعار‭ ‬الخضر‭ ‬والغلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬ارتفاعا‭ ‬ملحوظا‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬التونسية‭ ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬مختلف‭ ‬حلقات‭ ‬المنظومة‭ ‬الفلاحية،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬الحقول‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬محلات‭ ‬البيع‭ ‬بالتفصيل‭. ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬موجة‭ ‬الحر‭ ‬القياسية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬البلاد،‭ ‬بات‭ ‬الإنتاج‭ ‬الفلاحي‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬فيما‭ ‬وجد‭ ‬التجار‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬خسائر‭ ‬متكررة‭ ‬بسبب‭ ‬الانقطاعات‭ ‬المتواصلة‭ ‬للتيار‭ ‬الكهربائي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬على‭ ‬جيب‭ ‬المستهلك‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬يدفع‭ ‬فاتورة‭ ‬أزمة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬طرفًا‭ ‬فيها‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬تسجل‭ ‬الأسواق‭ ‬الأسبوعية‭ ‬ومحلات‭ ‬بيع‭ ‬الخضر‭ ‬والغلال‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنتوجات‭ ‬الصيفية،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الطماطم‭ ‬والفلفل‭ ‬والبصل‭ ‬والخوخ‭ ‬والعنب‭ ‬والبطيخ‭ ‬والدلاع‭ ‬وغيرها‭. ‬وبينما‭ ‬يفسر‭ ‬البعض‭ ‬هذه‭ ‬الزيادات‭ ‬بارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الصيف،‭ ‬يؤكد‭ ‬المهنيون‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬الكميات‭ ‬المعروضة،‭ ‬نتيجة‭ ‬تعطل‭ ‬عمليات‭ ‬الجني‭ ‬والنقل‭ ‬وتزايد‭ ‬نسبة‭ ‬التلف‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬العامل‭ ‬البشري‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬عناصر‭ ‬الأزمة‭. ‬فمع‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة،‭ ‬أصبح‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬الفلاحيين‭ ‬يتجنبون‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الحقول‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭ ‬النهار،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬الجني‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬مجهودًا‭ ‬بدنيًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬تحت‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬المباشرة‭. ‬ويؤكد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفلاحين‭ ‬أن‭ ‬إيجاد‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬من‭ ‬السابق،‭ ‬وأن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬يفضلون‭ ‬تقليص‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬الامتناع‭ ‬عنه‭ ‬كليًا‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬صحتهم،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬مفهوم‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لكنه‭ ‬يترك‭ ‬آثارًا‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬نسق‭ ‬الإنتاج‭.‬

هذا‭ ‬النقص‭ ‬في‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تأخر‭ ‬جني‭ ‬المحاصيل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬جزءًا‭ ‬منها‭ ‬يفقد‭ ‬جودته‭ ‬أو‭ ‬يتلف‭ ‬قبل‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الغلال‭ ‬والخضر‭ ‬سريعة‭ ‬التلف‭. ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬يجد‭ ‬الفلاح‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭ ‬أحلاهما‭ ‬مرّ‭: ‬إما‭ ‬ترك‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المحصول‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬أو‭ ‬تحمل‭ ‬كلفة‭ ‬إضافية‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬عمال‭ ‬بأجور‭ ‬أعلى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬بدوره‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬البيع‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬الصعوبات‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الضيعات‭ ‬الفلاحية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬محلات‭ ‬بيع‭ ‬الخضر‭ ‬والغلال‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الانقطاعات‭ ‬المتكررة‭ ‬للكهرباء‭. ‬فهذه‭ ‬المحلات‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التبريد‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬المنتوجات،‭ ‬وخاصة‭ ‬الغلال‭. ‬وكل‭ ‬انقطاع‭ ‬للكهرباء،‭ ‬ولو‭ ‬لساعات‭ ‬قليلة،‭ ‬يعني‭ ‬بداية‭ ‬تلف‭ ‬تدريجي‭ ‬للبضائع‭ ‬وانخفاضًا‭ ‬في‭ ‬جودتها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضطر‭ ‬التاجر‭ ‬إلى‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬بيعها‭ ‬بأسعار‭ ‬أقل‭ ‬لتفادي‭ ‬خسائر‭ ‬أكبر‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يحاول‭ ‬بعض‭ ‬التجار‭ ‬تعويض‭ ‬تلك‭ ‬الخسائر‭ ‬برفع‭ ‬هامش‭ ‬الربح‭ ‬على‭ ‬الكميات‭ ‬السليمة‭ ‬المتبقية،‭ ‬لتصبح‭ ‬الأسعار‭ ‬أعلى‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمستهلك‭. ‬وهكذا‭ ‬تدخل‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة،‭ ‬يكون‭ ‬ضحيتها‭ ‬الجميع‭: ‬الفلاح‭ ‬الذي‭ ‬يخسر‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬إنتاجه،‭ ‬والتاجر‭ ‬الذي‭ ‬تتلف‭ ‬بضاعته،‭ ‬والمواطن‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬أسعارًا‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدرته‭ ‬الشرائية‭.‬

موجات‭ ‬الحرّ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أحداثًا‭ ‬استثنائية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬واقعًا‭ ‬يتكرر‭ ‬كل‭ ‬صيف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬تنظيم‭ ‬العمل‭ ‬الفلاحي،‭ ‬عبر‭ ‬اعتماد‭ ‬توقيت‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬للظروف‭ ‬المناخية،‭ ‬وتوفير‭ ‬وسائل‭ ‬حماية‭ ‬للعمال،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تشجيع‭ ‬استعمال‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تقلص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬اليدوي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مراحل‭ ‬الإنتاج‭.‬

كما‭ ‬يطالب‭ ‬مهنيون‭ ‬بإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬عاجلة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الانقطاعات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحسين‭ ‬استقرار‭ ‬الشبكة‭ ‬أو‭ ‬تشجيع‭ ‬التجار‭ ‬والفلاحين‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬حلول‭ ‬بديلة،‭ ‬مثل‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬كلفة‭ ‬التلف‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تجهيزات‭ ‬توفر‭ ‬استمرارية‭ ‬التبريد‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬تكثيف‭ ‬حملات‭ ‬المراقبة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬عبر‭ ‬معالجة‭ ‬الأسباب‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬العرض‭. ‬فحين‭ ‬يتراجع‭ ‬الإنتاج‭ ‬أو‭ ‬تتعطل‭ ‬عملية‭ ‬الجني‭ ‬أو‭ ‬تتلف‭ ‬البضائع‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬الكهرباء،‭ ‬فإن‭ ‬السوق‭ ‬ستشهد‭ ‬حتمًا‭ ‬اختلالًا‭ ‬بين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬إجراءات‭ ‬الرقابة‭ ‬صارمة‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬موجة‭ ‬الحر‭ ‬وتواصل‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي،‭ ‬يتوجب‭ ‬ايجاد‭ ‬مقاربة‭ ‬شاملة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬الإنتاج‭ ‬وحماية‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬وتحسين‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطاقة‭ ‬وتأمين‭ ‬ظروف‭ ‬أفضل‭ ‬لحفظ‭ ‬المنتوجات‭. ‬فالأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬بقدرة‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬إيصال‭ ‬هذا‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الظروف‭ ‬وبأسعار‭ ‬معقولة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

المنظومة‭ ‬الحالية‭ ‬للكهرباء‭ ‬في‭ ‬تونس‭: ‬ ضرورة‭ ‬الإستثمار‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الشبكة‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي لم‭ ‬تكن‭ ‬موجة‭ ‬الحر‭ ‬القياسية‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬تونس‭…