برنامج الكراء المملّك: هل يتحقق حلم الطبقة الوسطى في إمتلاك منزل؟
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
و مع إعطاء إشارة انطلاق إنجاز عدد من المساكن المبرمجة ضمن مشروع االكراء المملّكب بكل من ولايتي سوسة ومنوبة، عاد ملف السكن إلى واجهة النقاش العام في تونس، ولكن هذه المرة بقدر أكبر من التفاؤل والحذر في الآن نفسه. فالمشروع الذي يهدف إلى تمكين فئات واسعة من المواطنين من امتلاك مسكن عبر صيغة تقوم على دفع معينات كراء تتحول تدريجياً إلى ملكية، يثير اليوم نقاشاً واسعاً حول الفئات التي ستتمتع بالأولوية وشروط الانتفاع، خاصة في ظل أزمة سكن متواصلة وارتفاع غير مسبوق في أسعار العقارات.
يبدو أن النقاش الدائر داخل الأوساط المهنية والنقابية، وكذلك على مواقع التواصل الاجتماعي، يكشف عن شبه إجماع لدى الموظفين، سواء في القطاع العام أو الخاص، على ضرورة أن تكون فئتهم في صدارة المستفيدين من المشروع، باعتبار أنها كانت من أكثر الفئات التي وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة عالقة بين ارتفاع الأسعار من جهة، وعدم قدرتها على النفاذ إلى القروض البنكية بشروط ميسرة من جهة أخرى.
فالطبقة الوسطى، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد والإدارة في تونس، أصبحت تواجه صعوبات متزايدة في تحقيق حلم امتلاك منزل. إذ تجاوزت أسعار المساكن في العديد من المدن الكبرى قدراتها الشرائية، في حين بقيت شروط التمويل البنكي، من نسب الفائدة إلى قيمة الأقساط الشهرية والضمانات المطلوبة، عائقاحقيقيا أمام آلاف العائلات.
ولعل تجربة برنامج االمسكن الأولب ما تزال حاضرة في أذهان الكثيرين. فرغم الأهداف الإيجابية التي أٌعلن عنها عند إطلاقه، فإن عدداً كبيراً من الموظفين لم يتمكنوا من الاستفادة منه عمليا بل حتى الأزواج الموظفين كذلك لم يبلغوا حلمهم في امتلاك منزل بالرغم من توفر أجرتين لديهم، بسبب الفجوة الكبيرة بين أسعار العقارات وسقف التمويل، إضافة إلى اشتراطات البنوك التي جعلت الحصول على قرض سكني أمرا معقدا بالنسبة إلى أصحاب الدخل المتوسط.
وفي المقابل، يطرح مشروع الكراء المملّك نفسه باعتباره صيغة مختلفة قد تكون أكثر انسجاما مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي الحالي. فبدل مطالبة المواطن بتوفير تمويل كبير منذ البداية، تقوم الفكرة على دفع معلوم كراء شهري لفترة زمنية محددة، على أن تنتقل ملكية المسكن إليه عند استكمال الالتزامات التعاقدية، وهو ما قد يخفف العبء المالي ويمنح الأسر استقراراً أكبر.
وتشير المعطيات المتداولة حاليا إلى أن شروط الانتفاع بالمشروع تتجه نحو استهداف الفئات التي تحتاج فعلا إلى السكن. ومن أبرز هذه الشروط أن يكون المنتفع موظفاً في القطاع العام أو الخاص، مع اشتراط أقدمية لا تقل عن سنتين في الانخراط بالصناديق الاجتماعية، بما يثبت استقرار وضعيته المهنية.
كما تتضمن الشروط المتداولة ألا يكون المنتفع مالكا لمسكن، وألا تكون زوجته مالكة لعقار سكني، حتى يوجه المشروع إلى العائلات التي لا تملك سكنا فعلا.
ويضاف إلى ذلك تحديد سقف للدخل، اذ يجب ألا يتجاوز الأجر ست مرات الأجر الأدنى المضمون، في محاولة لضمان استفادة أصحاب الدخل المحدود والمتوسط دون غيرهم.
ومن بين المقترحات التي لاقت استحساناً أيضاً إمكانية اعتماد الوضعية العائلية ضمن عناصر ترتيب الملفات، مثل عدد الأطفال أو وجود أشخاص من ذوي الإعاقة داخل الأسرة، بما يمنح المشروع بعداً اجتماعياً يتجاوز مجرد القدرة المالية.
أما في ما يتعلق بمعلوم الكراء الشهري، فتتراوح التقديرات المتداولة بين 600 و800 دينار، وهي مبالغ قد تبدو مرتفعة بالنسبة إلى بعض العائلات، لكنها تبقى، وفق عدد من المتابعين، أكثر واقعية من أقساط القروض البنكية التي ترتفع مع نسب الفائدة وتثقل كاهل المقترض لسنوات طويلة.
نشير إلى أن نجاح هذا المشروع لن يقاس فقط بعدد المساكن التي سيتم إنجازها، وإنما أيضاً بمدى وضوح معايير الانتفاع وشفافية عملية اختيار المستفيدين. فكلما كانت الشروط معلنة بدقة وآليات الفرز خاضعة لمقاييس موضوعية ورقابة فعلية، ازدادت ثقة المواطنين في البرنامج وتراجعت المخاوف من أي تجاوزات أو استثناءات غير مبررة.
كما يظل التحدي الأكبر مرتبطا بتوسيع المشروع ليشمل مختلف الجهات، وخاصة بتونس الكبرى حيث يتزايد الطلب وترتفع كلفة البناء والعقار.
وفي انتظار الإعلان الرسمي عن الصيغة النهائية لشروط الانتفاع وآليات تقديم المطالب، يفتح الكراء المملّك نافذة أمل جديدة أمام آلاف الموظفين الذين طال انتظارهم لحل سكني يتلاءم مع إمكاناتهم. وإذا نجحت الدولة في تحويل هذا المشروع إلى برنامج مستدام وشفاف وقابل للتوسع، فقد يصبح أحد أهم الحلول العملية لإعادة الاعتبار للطبقة الوسطى، التي ظلت لسنوات طويلة تدفع ثمن ارتفاع الأسعار دون أن تجد طريقاً ميسراً نحو امتلاك منزل يحفظ استقرارها ويؤمن مستقبل أبنائها.
رقمنة أسواق الجملة: الفوترة الإلكترونية..خطوة جديدة للرقابة وتنظيم مسالك التوزيع
الصحافة اليوم: مصباح الجدي تتواصل في تونس خطوات تحديث منظومة أسواق الج…
