بين السرعة الجنونية والاستعراض: تفشّّ ملحوظ للسياقة المتهوّرة في تونس
الصحافة اليوم:مصباح الجدي
لم تعد السياقة المتهورة في الطرقات التونسية مجرد تصرفات فردية عابرة أو أخطاء يمكن تفسيرها بنقص الانتباه. فقد تحولت، في السنوات الأخيرة، إلى ظاهرة لافتة للانتباه، تتكرر نهارا وليلا، وتظهر بشكل خاص لدى عدد من الشباب الذين يتعاملون مع الطريق وكأنها فضاء مفتوح للسرعة والاستعراض وإثبات القدرة على المناورة، غير آبهين بما يمكن أن تؤول إليه لحظة تهور واحدة.
مشاهد السيارات التي تنطلق بسرعات عالية، والتجاوزات الخطيرة، وتغيير الاتجاه بشكل مفاجئ، وعدم احترام إشارات المرور، ليست غريبة عن طرقاتنا. ويزداد الأمر خطورة عندما يتعلق الأمر بالدراجات النارية الكبرى التي تتحول أحيانا إلى وسيلة للاستعراض ورفع السرعة إلى مستويات لا تتناسب مع طبيعة الطريق ولا مع كثافة حركة المرور.
المشكلة هنا لا تتعلق بالسرعة في حد ذاتها، ولا بامتلاك سيارة قوية أو دراجة نارية كبيرة. فحب القيادة والاستمتاع بالمركبات هواية موجودة في كل المجتمعات، ويمكن أن تكون جزءا من ثقافة رياضية وترفيهية محترمة. الإشكال يبدأ عندما تنتقل هذه الهواية من فضائها الطبيعي والمنظم إلى الطرقات العامة، حيث يصبح سائق واحد قادرا، بسبب لحظة طيش، على تعريض عشرات الأشخاص للخطر.
الطريق العام ليست حلبة سباق
في بعض الطرقات السياحية، تبدو الظاهرة أكثر وضوحا، خصوصا في الفترات التي تشهد حركة كبيرة للمواطنين والسياح والعائلات. فالطريق السياحية يفترض أن تكون فضاء للمتعة والاستمتاع بالمشهد الطبيعي، لكنها قد تتحول في بعض الحالات إلى مجال للاستعراض والسرعة والمناورات الخطرة وهو ما نلاحظه في طرقات المرسى وسيدي بوسعيد وحلق الوادي على سبيل المثال لا الحصر.
وتزداد المخاطر ليلا، عندما تقل الرؤية وتتغير طبيعة حركة المرور، فيما يختار بعض السائقين والدراجين ساعات الليل لممارسة السرعة والاستعراض بعيدا عن أعين الرقابة. وهنا يصبح الطريق العام، الذي يفترض أن يكون آمنا لجميع مستعمليه، أشبه بحلبة مفتوحة لا تحكمها سوى قدرة السائق على السيطرة على مركبته.
والأخطر أن ضحية السياقة المتهورة لا تكون بالضرورة الشخص الذي اختار المخاطرة. فقد يكون سائق سيارة ملتزما بالقانون، أو عائلة في طريقها إلى منزلها، أو شابا يقود دراجته، أو أحد المترجلين. وفي لحظة واحدة يمكن أن يتحول الخطأ الفردي إلى مأساة جماعية.
الردع وحده لا يكفي
التعامل مع هذه الظاهرة يحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات. فالردع القانوني يظل ضروريا، من خلال تكثيف المراقبة، خصوصا في النقاط المعروفة بتكرر التجاوزات والسرعة والاستعراض، واستخدام وسائل الرصد الحديثة، وتطبيق العقوبات بشكل فعلي ومتناسق مع خطورة المخالفة.
وفي هذا السياق فإن الاكتفاء بالمحاضر والخطايا وحجز المركبات لن يحل المشكلة نهائيا. المطلوب أيضا أن يشعر السائق بأن القانون حاضر قبل أن تقع الكارثة، وليس بعدها فقط. وهذا يعني تطوير المراقبة الذكية للسرعة، وتشديد الرقابة على المخالفات الخطيرة، خاصة السياقة بسرعة مفرطة والتجاوزات الخطرة والاستعراض في الطريق العام، مع مراجعة مدى نجاعة العقوبات الحالية في ردع من يعتبرون الطريق فضاء بلا حدود.
كما أن التوعية يجب ألا تظل مجرد حملات موسمية تظهر بعد وقوع حادث خطير ثم تختفي. نحن بحاجة إلى خطاب جديد في السلامة المرورية يخاطب الشباب بلغتهم، ويشرح لهم أن المهارة الحقيقية ليست في الوصول إلى سرعة قياسية، وإنما في القدرة على التحكم في المركبة واحترام حياة الآخرين.
لماذا لا نمنح الهواية فضاءها؟
ومن المفارقات أن جزءا من المشكلة يمكن أن يتحول إلى جزء من الحل. فبدلا من ترك أصحاب الدراجات النارية الكبرى وعشاق السيارات الرياضية يبحثون عن الطرقات العامة لممارسة هواياتهم، لماذا لا يتم التفكير في إحداث فضاءات مهيأة ومنظمة تسمح لهم بممارسة هذه الأنشطة في ظروف آمنة و في أماكن بعيدة عن مناطق العمران؟ حلبات للسرعة، أو فضاءات مخصصة للتدريب والاستعراض الرياضي، أو مسارات مغلقة ومؤمنة يمكن أن تستوعب هذه الهوايات وتخرجها من الطرقات العامة. ويمكن لهذه الفضاءات أن تكون مؤطرة من قبل مختصين، مع شروط واضحة للسلامة، وتجهيزات للإسعاف والحماية، وتنظيم مسابقات قانونية بدل ترك الشباب أمام خيار غير معلن يتمثل في تحويل الطريق إلى حلبة.
مثل هذه الأفكار ليست ترفا، بل يمكن أن تكون جزءا من سياسة وقائية. فالشاب الذي يحب السرعة لن تتوقف رغبته بالضرورة بمجرد مطالبته بأن يكون أكثر هدوءا. لكن يمكن توجيه هذه الرغبة إلى مكان آمن ومنظم، حيث تصبح المهارة رياضة، والسرعة منافسة، والاستعراض نشاطا مؤطرا، بدلا من أن تتحول إلى خطر على الآخرين.
كما أن الدولة ليست الطرف الوحيد المعني. فالسائق يتحمل مسؤوليته، والأسرة مطالبة بتعزيز ثقافة احترام الطريق، والمدرسة والإعلام والجمعيات والمنظمات المدنية مطالبة بالمساهمة في تغيير السلوك المروري. كما أن شركات بيع السيارات والدراجات وقطاع الرياضات الميكانيكية يمكن أن يكون لها دور في نشر ثقافة القيادة الآمنة.
في سباق مع العودة المدرسية والجامعية: االكاباسب وأساتذة التعليم العالي.. اللمسات الأخيرة للإنتداب
الصحافة اليوم:مصباح الجدي مع اقتراب موعد العودة المدرسية والجامعية، تتجه…
