2026-08-15

بين‭ ‬السرعة‭ ‬الجنونية‭ ‬والاستعراض‭:‬ تفشّّ‭ ‬ملحوظ‭ ‬للسياقة‭ ‬المتهوّرة‭ ‬في‭ ‬تونس

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي

لم‭ ‬تعد‭ ‬السياقة‭ ‬المتهورة‭ ‬في‭ ‬الطرقات‭ ‬التونسية‭ ‬مجرد‭ ‬تصرفات‭ ‬فردية‭ ‬عابرة‭ ‬أو‭ ‬أخطاء‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيرها‭ ‬بنقص‭ ‬الانتباه‭. ‬فقد‭ ‬تحولت،‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬لافتة‭ ‬للانتباه،‭ ‬تتكرر‭ ‬نهارا‭ ‬وليلا،‭ ‬وتظهر‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬لدى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬الطريق‭ ‬وكأنها‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬للسرعة‭ ‬والاستعراض‭ ‬وإثبات‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المناورة،‭ ‬غير‭ ‬آبهين‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤول‭ ‬إليه‭ ‬لحظة‭ ‬تهور‭ ‬واحدة‭.‬

مشاهد‭ ‬السيارات‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬بسرعات‭ ‬عالية،‭ ‬والتجاوزات‭ ‬الخطيرة،‭ ‬وتغيير‭ ‬الاتجاه‭ ‬بشكل‭ ‬مفاجئ،‭ ‬وعدم‭ ‬احترام‭ ‬إشارات‭ ‬المرور،‭ ‬ليست‭ ‬غريبة‭ ‬عن‭ ‬طرقاتنا‭. ‬ويزداد‭ ‬الأمر‭ ‬خطورة‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالدراجات‭ ‬النارية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬أحيانا‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬للاستعراض‭ ‬ورفع‭ ‬السرعة‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬الطريق‭ ‬ولا‭ ‬مع‭ ‬كثافة‭ ‬حركة‭ ‬المرور‭.‬

المشكلة‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بالسرعة‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬ولا‭ ‬بامتلاك‭ ‬سيارة‭ ‬قوية‭ ‬أو‭ ‬دراجة‭ ‬نارية‭ ‬كبيرة‭. ‬فحب‭ ‬القيادة‭ ‬والاستمتاع‭ ‬بالمركبات‭ ‬هواية‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬رياضية‭ ‬وترفيهية‭ ‬محترمة‭. ‬الإشكال‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬تنتقل‭ ‬هذه‭ ‬الهواية‭ ‬من‭ ‬فضائها‭ ‬الطبيعي‭ ‬والمنظم‭ ‬إلى‭ ‬الطرقات‭ ‬العامة،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬سائق‭ ‬واحد‭ ‬قادرا،‭ ‬بسبب‭ ‬لحظة‭ ‬طيش،‭ ‬على‭ ‬تعريض‭ ‬عشرات‭ ‬الأشخاص‭ ‬للخطر‭.‬

الطريق‭ ‬العام‭ ‬ليست‭ ‬حلبة‭ ‬سباق

في‭ ‬بعض‭ ‬الطرقات‭ ‬السياحية،‭ ‬تبدو‭ ‬الظاهرة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬حركة‭ ‬كبيرة‭ ‬للمواطنين‭ ‬والسياح‭ ‬والعائلات‭. ‬فالطريق‭ ‬السياحية‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فضاء‭ ‬للمتعة‭ ‬والاستمتاع‭ ‬بالمشهد‭ ‬الطبيعي،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬للاستعراض‭ ‬والسرعة‭ ‬والمناورات‭ ‬الخطرة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نلاحظه‭ ‬في‭ ‬طرقات‭ ‬المرسى‭ ‬وسيدي‭ ‬بوسعيد‭ ‬وحلق‭ ‬الوادي‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭.‬

وتزداد‭ ‬المخاطر‭ ‬ليلا،‭ ‬عندما‭ ‬تقل‭ ‬الرؤية‭ ‬وتتغير‭ ‬طبيعة‭ ‬حركة‭ ‬المرور،‭ ‬فيما‭ ‬يختار‭ ‬بعض‭ ‬السائقين‭ ‬والدراجين‭ ‬ساعات‭ ‬الليل‭ ‬لممارسة‭ ‬السرعة‭ ‬والاستعراض‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬الرقابة‭. ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬الطريق‭ ‬العام،‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬آمنا‭ ‬لجميع‭ ‬مستعمليه،‭ ‬أشبه‭ ‬بحلبة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لا‭ ‬تحكمها‭ ‬سوى‭ ‬قدرة‭ ‬السائق‭ ‬على‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مركبته‭.‬

والأخطر‭ ‬أن‭ ‬ضحية‭ ‬السياقة‭ ‬المتهورة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬اختار‭ ‬المخاطرة‭. ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬سائق‭ ‬سيارة‭ ‬ملتزما‭ ‬بالقانون،‭ ‬أو‭ ‬عائلة‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬منزلها،‭ ‬أو‭ ‬شابا‭ ‬يقود‭ ‬دراجته،‭ ‬أو‭ ‬أحد‭ ‬المترجلين‭. ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الخطأ‭ ‬الفردي‭ ‬إلى‭ ‬مأساة‭ ‬جماعية‭.‬

الردع‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي

التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات‭. ‬فالردع‭ ‬القانوني‭ ‬يظل‭ ‬ضروريا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تكثيف‭ ‬المراقبة،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬النقاط‭ ‬المعروفة‭ ‬بتكرر‭ ‬التجاوزات‭ ‬والسرعة‭ ‬والاستعراض،‭ ‬واستخدام‭ ‬وسائل‭ ‬الرصد‭ ‬الحديثة،‭ ‬وتطبيق‭ ‬العقوبات‭ ‬بشكل‭ ‬فعلي‭ ‬ومتناسق‭ ‬مع‭ ‬خطورة‭ ‬المخالفة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬فإن‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالمحاضر‭ ‬والخطايا‭ ‬وحجز‭ ‬المركبات‭ ‬لن‭ ‬يحل‭ ‬المشكلة‭ ‬نهائيا‭. ‬المطلوب‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬السائق‭ ‬بأن‭ ‬القانون‭ ‬حاضر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬الكارثة،‭ ‬وليس‭ ‬بعدها‭ ‬فقط‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬تطوير‭ ‬المراقبة‭ ‬الذكية‭ ‬للسرعة،‭ ‬وتشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المخالفات‭ ‬الخطيرة،‭ ‬خاصة‭ ‬السياقة‭ ‬بسرعة‭ ‬مفرطة‭ ‬والتجاوزات‭ ‬الخطرة‭ ‬والاستعراض‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬العام،‭ ‬مع‭ ‬مراجعة‭ ‬مدى‭ ‬نجاعة‭ ‬العقوبات‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬ردع‭ ‬من‭ ‬يعتبرون‭ ‬الطريق‭ ‬فضاء‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬التوعية‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تظل‭ ‬مجرد‭ ‬حملات‭ ‬موسمية‭ ‬تظهر‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬حادث‭ ‬خطير‭ ‬ثم‭ ‬تختفي‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬السلامة‭ ‬المرورية‭ ‬يخاطب‭ ‬الشباب‭ ‬بلغتهم،‭ ‬ويشرح‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬المهارة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬سرعة‭ ‬قياسية،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬المركبة‭ ‬واحترام‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‭.‬

لماذا‭ ‬لا‭ ‬نمنح‭ ‬الهواية‭ ‬فضاءها؟

ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬أن‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحل‭. ‬فبدلا‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬أصحاب‭ ‬الدراجات‭ ‬النارية‭ ‬الكبرى‭ ‬وعشاق‭ ‬السيارات‭ ‬الرياضية‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬الطرقات‭ ‬العامة‭ ‬لممارسة‭ ‬هواياتهم،‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬فضاءات‭ ‬مهيأة‭ ‬ومنظمة‭ ‬تسمح‭ ‬لهم‭ ‬بممارسة‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬آمنة‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬مناطق‭ ‬العمران؟‭ ‬حلبات‭ ‬للسرعة،‭ ‬أو‭ ‬فضاءات‭ ‬مخصصة‭ ‬للتدريب‭ ‬والاستعراض‭ ‬الرياضي،‭ ‬أو‭ ‬مسارات‭ ‬مغلقة‭ ‬ومؤمنة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستوعب‭ ‬هذه‭ ‬الهوايات‭ ‬وتخرجها‭ ‬من‭ ‬الطرقات‭ ‬العامة‭. ‬ويمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الفضاءات‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مؤطرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مختصين،‭ ‬مع‭ ‬شروط‭ ‬واضحة‭ ‬للسلامة،‭ ‬وتجهيزات‭ ‬للإسعاف‭ ‬والحماية،‭ ‬وتنظيم‭ ‬مسابقات‭ ‬قانونية‭ ‬بدل‭ ‬ترك‭ ‬الشباب‭ ‬أمام‭ ‬خيار‭ ‬غير‭ ‬معلن‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭.‬

مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬ليست‭ ‬ترفا،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬وقائية‭. ‬فالشاب‭ ‬الذي‭ ‬يحب‭ ‬السرعة‭ ‬لن‭ ‬تتوقف‭ ‬رغبته‭ ‬بالضرورة‭ ‬بمجرد‭ ‬مطالبته‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءا‭. ‬لكن‭ ‬يمكن‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬الرغبة‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آمن‭ ‬ومنظم،‭ ‬حيث‭ ‬تصبح‭ ‬المهارة‭ ‬رياضة،‭ ‬والسرعة‭ ‬منافسة،‭ ‬والاستعراض‭ ‬نشاطا‭ ‬مؤطرا،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬ليست‭ ‬الطرف‭ ‬الوحيد‭ ‬المعني‭. ‬فالسائق‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤوليته،‭ ‬والأسرة‭ ‬مطالبة‭ ‬بتعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬احترام‭ ‬الطريق،‭ ‬والمدرسة‭ ‬والإعلام‭ ‬والجمعيات‭ ‬والمنظمات‭ ‬المدنية‭ ‬مطالبة‭ ‬بالمساهمة‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬السلوك‭ ‬المروري‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬شركات‭ ‬بيع‭ ‬السيارات‭ ‬والدراجات‭ ‬وقطاع‭ ‬الرياضات‭ ‬الميكانيكية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬ثقافة‭ ‬القيادة‭ ‬الآمنة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

في‭ ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬العودة‭ ‬المدرسية‭ ‬والجامعية‭:‬ االكاباسب‭ ‬وأساتذة‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭.. ‬اللمسات‭ ‬الأخيرة‭ ‬للإنتداب

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬العودة‭ ‬المدرسية‭ ‬والجامعية،‭ ‬تتجه…