2026-07-07

بين‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والإدارة‭ ‬العمومية‭:‬ ثقافة‭ ‬الورق‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬المعاملات‭ ‬اليومية

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

مع‭ ‬دخول‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الرقمنة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬اعتماد‭ ‬الهوية‭ ‬الرقمية‭ ‬على‭ ‬الجوال‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية،‭ ‬تبدو‭ ‬البلاد‭ ‬أمام‭ ‬منعطف‭ ‬مهم‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬وإنما‭ ‬بمدى‭ ‬استعداد‭ ‬المواطن‭ ‬والإدارة‭ ‬معًا‭ ‬لتغيير‭ ‬أنماط‭ ‬التعامل‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬ترسخت‭ ‬لعقود‭.‬

فالتحول‭ ‬الرقمي‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بعدد‭ ‬المنصات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬إطلاقها‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬تصبح‭ ‬متاحة‭ ‬عن‭ ‬بعد،‭ ‬بل‭ ‬يقاس‭ ‬أساسًا‭ ‬بقدرة‭ ‬المواطن‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الخدمات،‭ ‬وبقدرة‭ ‬الإدارة‭ ‬على‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬االوثيقة‭ ‬الورقيةب‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬رغم‭ ‬جهود‭ ‬الرقمنة‭.‬

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬مازالوا‭ ‬يفضلون‭ ‬التنقل‭ ‬إلى‭ ‬الإدارات،‭ ‬والوقوف‭ ‬في‭ ‬الطوابير،‭ ‬وطلب‭ ‬الأختام‭ ‬والإمضاءات،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬الخدمات‭ ‬متوفرة‭ ‬إلكترونياً‭. ‬ولا‭ ‬يعود‭ ‬ذلك‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الثقافة‭ ‬الرقمية،‭ ‬بل‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الخدمة‭ ‬الرقمية‭ ‬ستكون‭ ‬معترفاً‭ ‬بها‭ ‬لدى‭ ‬جميع‭ ‬الإدارات‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬ستختصر‭ ‬فعلاً‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بعض‭ ‬الإدارات‭ ‬نفسها‭ ‬تطلب‭ ‬من‭ ‬المواطن‭ ‬وثائق‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬سلمها‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬أخرى،‭ ‬أو‭ ‬تطلب‭ ‬نسخاً‭ ‬ورقية‭ ‬من‭ ‬وثائق‭ ‬أصبحت‭ ‬متوفرة‭ ‬إلكترونياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬جاهزية‭ ‬المنظومة‭ ‬الإدارية‭ ‬لمواكبة‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬الحقيقي‭.‬

إن‭ ‬الرقمنة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬تحويل‭ ‬الاستمارات‭ ‬من‭ ‬الورق‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬إعادة‭ ‬هندسة‭ ‬للإجراءات‭ ‬الإدارية‭ ‬برمتها،‭ ‬بما‭ ‬يختزل‭ ‬عدد‭ ‬الوثائق‭ ‬المطلوبة،‭ ‬ويقلص‭ ‬آجال‭ ‬إنجاز‭ ‬الملفات،‭ ‬ويعتمد‭ ‬مبدأ‭ ‬تبادل‭ ‬المعطيات‭ ‬بين‭ ‬الإدارات‭ ‬عوضاً‭ ‬عن‭ ‬تحميل‭ ‬المواطن‭ ‬مسؤولية‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬المكاتب‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يقتضي‭ ‬استثماراً‭ ‬موازياً‭ ‬في‭ ‬العنصر‭ ‬البشري‭. ‬فالموظف‭ ‬العمومي‭ ‬يحتاج‭ ‬بدوره‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬مستمر‭ ‬يمكنه‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التطبيقات‭ ‬والمنصات‭ ‬الجديدة،‭ ‬ويجعله‭ ‬شريكاً‭ ‬في‭ ‬إنجاح‭ ‬الإصلاح،‭ ‬لا‭ ‬متخوفاً‭ ‬منه‭ ‬أو‭ ‬معرقلاً‭ ‬له‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬الفجوة‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قائمة‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬وبين‭ ‬الفئات‭ ‬العمرية‭ ‬المختلفة‭. ‬فبينما‭ ‬يتعامل‭ ‬الشباب‭ ‬بسهولة‭ ‬مع‭ ‬التطبيقات‭ ‬والخدمات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬يجد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬أو‭ ‬سكان‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬الداخلية‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الخدمات،‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬التغطية‭ ‬بالإنترنات‭ ‬أو‭ ‬محدودية‭ ‬الإلمام‭ ‬بالتقنيات‭ ‬الحديثة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬مرافقة‭ ‬الرقمنة‭ ‬بحملات‭ ‬توعية‭ ‬وتكوين‭ ‬موجهة‭ ‬للمواطنين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توفير‭ ‬فضاءات‭ ‬مساعدة‭ ‬داخل‭ ‬الإدارات‭ ‬والبلديات‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬إرشاد‭ ‬مستعملي‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭.‬

اقتصادياً،‭ ‬يمكن‭ ‬للرقمنة‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬مكاسب‭ ‬كبيرة‭ ‬للدولة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقليص‭ ‬كلفة‭ ‬المعاملات‭ ‬الإدارية،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬استهلاك‭ ‬الورق،‭ ‬وتقليص‭ ‬آجال‭ ‬معالجة‭ ‬الملفات،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬الفساد‭ ‬الإداري‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬الاحتكاك‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الخدمات‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬المستثمر،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬تونسياً‭ ‬أو‭ ‬أجنبياً،‭ ‬أصبح‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬سرعة‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مؤشرات‭ ‬مناخ‭ ‬الأعمال‭. ‬فكل‭ ‬دقيقة‭ ‬يتم‭ ‬اختصارها‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ترخيص‭ ‬أو‭ ‬وثيقة‭ ‬إدارية‭ ‬تمثل‭ ‬عامل‭ ‬جذب‭ ‬للاستثمار‭ ‬وتعزيزاً‭ ‬لقدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭.‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،ضمان‭ ‬أمن‭ ‬المعطيات‭ ‬الشخصية‭ ‬وحمايتها،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬استخدام‭ ‬الهوية‭ ‬الرقمية‭ ‬والخدمات‭ ‬الإلكترونية‭. ‬فثقة‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الرقمية‭ ‬لن‭ ‬تكتمل‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬اطمأن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بياناته‭ ‬محفوظة‭ ‬وفق‭ ‬أعلى‭ ‬معايير‭ ‬السلامة‭ ‬والخصوصية‭.‬

إن‭ ‬بلادنا‭ ‬تمتلك‭ ‬اليوم‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬للانتقال‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬تقليدية‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬ذكية،‭ ‬لكن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬بمجرد‭ ‬توفير‭ ‬التطبيقات‭ ‬والمنصات،‭ ‬بل‭ ‬بإحداث‭ ‬تغيير‭ ‬ثقافي‭ ‬شامل‭ ‬يجعل‭ ‬الرقمنة‭ ‬أسلوب‭ ‬عمل‭ ‬يومياً،‭ ‬ويجعل‭ ‬المواطن‭ ‬يثق‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬بقدر‭ ‬ثقته‭ ‬في‭ ‬الوثيقة‭ ‬الورقية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

شُعب‭ ‬تَعِدُ‭ ‬بالشغل‭ ‬تستقطب‭ ‬المتفوّقين‭:‬ علوم‭ ‬التربية‭ ‬والتمريض‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬ا…